العناية بصحة الفم والأسنان خلال الحمل

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الإثنين، 25 نوفمبر 2019
العناية بصحة الفم والأسنان خلال الحمل
مقالات ذات صلة
أدوات العناية بصحة الفم والأسنان
خطوات العناية بصحة أسنانك في شهر رمضان
العناية بصحة شعر المرأة المحجبة

يستعرض المقال أهم النصائح حول صحة المرأة الحامل من عدة مصادر ومراجع عالمية، ويناقش ارتباط الصحة الفموية بالحمل، أسباب هذا الارتباط، ولماذا تظهر الكثير من المشاكل الفموية خلال فترة الحمل؟ كذلك كيفية علاجها أو تجنبها.

حقائق مغلوطة حول تأثير الحمل على أسنان المرأة

قد تكونين سمعتي ما يلي كثيراً: "عندما تحملين يبدأ الجنين بسحب الكلس من أسنانك كي يكون عظامه الخاصة، لذلك قد تصاب أسنانك بالنخر أو تضعف"، أو عبارات مثل: "لا تستطيعين معالجة أسنانك خلال فترة الحمل لأن ذلك قد يضر بالجنين أو يسبب الإجهاض!".

1- لا يمكن سحب الكالسيوم من الأسنان بسبب الحمل

لحسن الحظ، هذا كلام غير صحيح ودقيق تماماً فالعلم والدراسات الحديثة أثبتت أن هذا الكلام صحيح بالنسبة لعظام الجسم أينما كانت.

فعندما يحتاج الجسم لكميات إضافية من الكالسيوم مع نقص مدخوله من الغذاء قد يقوم بحل نسب ضئيلة من العظم وطرحها في الدم لضمان استمرار وظائفه.

هذه العملية تعمل بالاتجاهين، أي قابلة للعكس تماماً (أي يمكن نقل كالسيوم العظم إلى الدم في حال نقص تركيزه في الدم ويمكن إعادة سحبه من الدم وترسيبه في العظم من جديد في حال كان هناك فائض منه في الدم).

ولكن هذا الأمر ليس دقيقاً بأي حال من الأحوال عند الحديث عن الأسنان؛ نعم، صحيح أن تركيب الأسنان مشابه إلى حد كبير لتركيب العظم، لكن الأسنان -البازغة منها تحديداً- هي حتماً كاملة التكلس (إذا افترضنا عدم إصابتها بأي أمراض).

ولا يمكن في حال من الأحوال سحب "الكالسيوم" منها من جديد عن طريق الدم أو ما يعرف باسم الطريق الخلطي الداخلي، والطريق الوحيد لحل هذا "الكالسيوم" الموجود في الأسنان؛ هو بوجود الأسنان ضمن وسط عالي الحموضة، وانحلال كالسيوم الأسنان في حال حدث ذلك يكون بانتشارها إلى الوسط الخارجي (الحفرة الفموية واللعاب في حالتنا هذه) وليس داخل الجسم.

2- يمنع زيارة طبيب الأسنان خلال الحمل!

من ناحية أخرى، قد يكون من المستحب طبعا زيارة الطبيب قبل الحمل للقيام بكل المعالجات اللازمة، لأن ذلك سيكون أسهل وأكثر أماناً، لكن هل هذا يعني أنه لا يمكن القيام بالمعالجات السنيّة خلال فترة الحمل؟ بالطبع يمكنك ذلك حيث تمتد فترة الحمل عادة إلى نحو تسعة أشهر، وهي فترة كافية لحدوث إصابات نخرية أو لثوية جديدة وقد تكون مؤلمة أو مزعجة كثيراً، فهل نقوم بتركها لما بعد الولادة؟

قد يكون من الصعب الانتظار إلى حين الولادة وخصوصاً إن كانت آلام الأسنان أو اللثة شديدة، لذلك يمكن القيام بالمعالجات السنية بشكل عام وخصوصاً الإسعافية منها،  ولكن هناك بعض التعليمات التي يتوجب على الطبيب الانتباه لها ومنها:

  • من المهم تأجيل المعالجات غير الإسعافية إلى الثلث المتوسط من الحمل (ابتداء من الشهر الثالث وحتى نهاية السادس).
  • تجنب وصف الأدوية إلا بعد الرجوع إلى الطبيب الأخصائي وأخذ موافقته.
  • كما يوجد تعليمات أخرى لضمان راحة المرأة الحامل خلال فترة العلاج كأن تكون الجلسات قصيرة زمنياً، أو أن تستلقي المرأة على جانبها الأيسر وليس على ظهرها (كما تجري العادة عند طبيب الأسنان)؛ لأن ذلك قد يؤدي لهبوط الضغط الدموي نتيجة ضغط الجنين على الوريد الأجوف السفلي (vena cava inferior) المسؤول عند إعادة نقل الدم من أجزاء الجسم السفلية إلى القلب.
  • تجنب تعريض المرأة الحامل إلى تصوير الأشعة (X-ray) وخصوصاً خلال الثلث الأول من الحمل.

إذاً.. بعد أن قمنا بتبيين حقيقة هذه المقولات التي أصبحت ما يشبه العرف في مجتمعاتنا حول ارتباط الحمل بالصحة الفموية، ما هي حقيقة العلاقة بينهما؟ ما هي آلية التأثير؟ وكيف يمكن تجنب التأثيرات غير المستحبة على السيدة خلال أشهر حملها؟

التبدلات الهرمونية أثناء الحمل وتأثيرها على الأسنان

قد نتساءل في البداية عن ماهية الهرمونات (Hormones) (أو ما يعرف باللغة العربية باسم الحاثات)، ونستطيع أن نبسط الموضوع بالقول إنها أي مادة كيميائية تفرزها غدد (Glands) محددة في الجسم، وتقوم بطرح هذه المادة ضمن الأوعية الدموية مباشرة (أي أنها لا تمتلك قناة للتفريغ كالغدد اللعابية مثلاً)، ويكون لهذه الهرمونات تأثير محدد ودقيق تبعاً لتركيبها الكيميائي.

ولكون الهرمونات تتواجد في الدم، أي أنها ستنتقل إلى الجسم بكامله وليس إلى المنطقة المستهدفة فحسب، لذلك سيكون لها آثار جانبية غير وظيفتها والتي قد تكون غير مرغوبة. يعتبر الحمل من أعقد العمليات الفيزيولوجية التي تمت دراستها حتى الآن، إذ أنه تتم منذ لحظة تلقيح البويضة سلسلة من العمليات والتفاعلات التي تؤدي في النهاية إلى نمو الجنين كما يجب ومن ثم الولادة. حيث تحدث تغيرات كبيرة في الغدد الصم لدى المرأة الحامل.

كما قد تحدث تبدلات في مصدر الهرمونات (كأن تكون تفرز من المبيض لتصبح تفرز من المشيمة)، ووجود هذه الهرمونات بمعدلاتها الصحيحة، وتزامن إفرازها الدقيق مع كل مرحلة من مراحل الحمل يعتبر من أهم العوامل لاستمرار الحمل ونجاحه.

فيما يلي أهم التغيرات الهرمونية التي تحصل في جسم المرأة الحامل:

  • عندما يحدث الحمل سوف ترتفع في البداية معدلات البروجيسترون (Progesterone) والإستروجين (Estrogen) (وهي هرمونات خاصة بالإناث)؛ وذلك يؤدي بالمحصلة إلى تنبيه الوطاء في المخ (Hypothalamus)، وهو المسؤول عن تنظيم عدة مهام من بينها الدورة الشهرية (Period)، حيث يقوم بتنظيمها وفي النهاية إيقافها، وذلك لمنع تمزقات الغشاء الداخلي لبطانة الرحم.
  • خلال فترة الحمل يتحول إفراز هرمون الأستروجين من المبيض (Ovary) إلى المشيمة (Placenta)، وترتفع نسبه في اطراد مستمر على مدار الحمل ويصل إلى أعلى معدل له في جسم المرأة طيلة الحياة بحلول الشهر الأخير من الحمل. لهذه الزيادة دور كبير في تطوير الرحم والمشيمة، نمو الجنين، زيادة حجم الثديين، تطوير القنوات اللبنية؛ مما يؤدي أيضاً لشعور الإقياء لدى المرأة الحامل، الإقياء أو (القلس) القادم من المعدة سيؤدي إلى ارتفاع حموضة الفم، بالتالي سيكون عاملاً مؤهباً لحدوث النخور السنية وانتشارها الشديد.
  • أما البروجيسترون فيتم إفرازه من قبل الجسم الأصفر (Corpus luteum) في المبيض خلال الفترة الأولى من الحمل، ثم يتبع ذلك إفرازه بواسطة المشيمة، وللبروجسترون دور مهم في زيادة حجم الأعضاء الداخلية كالرحم، الكلى والمثانة، كما يجعل الأربطة والمفاصل أكثر ارتخاء ومنها الأربطة السنية، أي أن الأسنان ستصبح متقلقلة أكثر؛ مما قد يؤدي إلى فقدانها في الحالات الشديدة وخصوصاً إذا ترافق ذلك بسوء عناية بالصحة الفموية.

مشاكل الفم والأسنان المرتبطة بالحمل

قد لا تكون هذه التبدلات الهرمونية السبب الرئيسي الكامن خلف المشاكل السنية أو اللثوية التي قد تعاني منها المرأة الحامل، لكنها عامل مؤهب لذلك، نستطيع القول أن تأثير الهرمونات على الجسم عموماً يكون تبعاً لتواجد مستقبلات (Receiver) على الخلايا المختلفة، لذلك تأثير الهرمونات ليس مقتصراً على أجزاء معينة من الجسم فحسب، بل سوف يظهر ضمن الفم على شكل أحد أو معظم الأعراض التالية:

  • انتفاخ واحمرار في لثتك: قد تنزف اللثة عند تنظيف الأسنان؛ بسبب توسع الأوعية الدموية في اللثة وبالتالي زيادة الدم الجاري فيها نتيجة تأثير الهرمونات، علماً أن اللثة من أغنى النسج الفموية بالأوعية والشعيرات الدموية.
  • (الورم الحملي) أو (Pregnancy tumor) ليس ورماً خبيثاً بالطبع، حيث يتظاهر بانتفاخ على شكل وحجم حبة الكرز عادة، يتوضع على الخط الفاصل بين السن واللثة، وهو شديد النزف لكنه عادة غير مؤلم، قد يستمر حجمه بالنمو حتى نصف قطر 2.5 سم في بعض الحالات الشديدة، لكن لحسن الحظ فإنه سيزول بمرور فترة قصيرة بعد الولادة بدون أي تدخل علاجي، أما في حال سبب لكِ إزعاجاً شديداً فيمكن للطبيب إزالته بجراحة بسيطة ويفضل في الثلث المتوسط من الحمل، على كل الأحوال استشيري طبيب أسنانك الأخصائي باللثة إذا واجهتي أعراض مشابهة كي يعطيك تشخيصاً دقيقاً.
  • التهابات لثوية قد تصل إلى مستوى شديد، بالتالي ستعانين من آلام شديدة، نزف، تورم، كما أنه في حال ضعف اللثة (والنسج الأخرى الداعمة للسن) فإن الأسنان ستصبح أضعف من ناحية ثباتها، فقد تصبح شديدة التقلقل مما قد يؤدي إلى فقدانها!
  • بالإضافة للأعراض اللثوية أو حول السنية (Periodontal)، تسجل لدى المرأة الحامل وخصوصاً خلال الأشهر الثلاثة الأولى حالات من النخور المعممة (عدة أسنان دفعة واحدة)، يرجع السبب إلى حالات القيء (القلس المعدي) ذو الحموضة العالية كما سبق وذكرنا. من ناحية أخرى ترتفع نسبة النخور لدى الحوامل نتيجة ضعف العناية بالأسنان، مما يسبب آلاماً شديدة عند تنظيف الأسنان في حال كانت اللثة ملتهبة.

إذن نستطيع القول أن الحمل وكافة تبدلاته الهرمونية، ليس سبباً رئيسياً للإصابة بالأمراض السنية أو اللثوية بخلاف الاعتقادات السائدة، لكنه عامل مساعد وبقوة لحدوث ذلك.

يبقى من المهم أن تتذكر أن حالات التهاب اللثة والنسج الداعمة السنية الأخرى في حالتها المتقدمة والشديدة، قد تكون سبباً رئيسياً للإصابة بأمراض الجهاز القلبي الوعائي وغيرها من الأمراض الجرثومية في حال ترافقت مع عوامل أخرى كالتقدم في العمر، الوزن الزائد، التدخين، المناعة الضعيفة، الوراثة، وجود مشاكل قلبية في الأساس؛ وذلك بسبب قدرة الجراثيم المسببة لأمراض اللثة على العبور من المنطقة المصابة إلى داخل الدوران الدموي وتشكيلها جلطات دموية.

خطوات بسيطة للوقاية من مشاكل الأسنان خلال الحمل

نستطيع القول بأن كل المشاكل السنية أو اللثوية بشكل عام تظهر نتيجة قلة العناية بصحة الفم وتنظيف الأسنان بشكل سيء، أو على الأقل يكون ذلك عامل مؤهب عالي الأهمية، لكن عند المرأة الحامل نستطيع التأكيد على بعض النقاط الهامة التي عليك القيام بها:

  • يفضل القيام بكافة المعالجات السنية قبل الحمل لتسهيل الأمر عليك وعلى طبيبك.
  • في حال كنتِ حاملاً عليك إعلام طبيب أسنانك للاطلاع على الحالة العامة للأسنان واللثة والقيام بما يلزم.
  • يجب المحافظة على صحة الفم وتنظيفه حتى لو سبب ذلك الألم أو النزف، يمكن الاستعانة بمسكنات موضعية بتراكيز ضئيلة (كالبخاخ) (المادة الفعالة عادة هي: Lidocaine) لتخفيف الألم قبل تنظيف الأسنان.
  • ابقِ طبيبك على اطلاع بكل جديد أو تطور يطرأ على أسنانك أو لثتك، حتى لو اعتقدتِ أنه بسيط.
  • في حال معاناتك من إقياءات متكررة، يفضل أن تقومي بتنظيف أسنانك أو غسل فمك بالماء الدافئ -بعد أن تشعرين بالراحة طبعاً- ذلك لتخفيف الحموضة العالية بالفم التالية للقيء.
  • قد يكون معجون الأسنان الحاوي على المينثول (Menthol) أي بنكهة النعنع؛ مخففاً جيداً لشعورك بالغثيان بفضل مفعوله المنعش.
  • لستِ الوحيدة التي تعاني من التهاب اللثة أو الورم الحملي الحميد خلال فترة الحمل، لذلك لا تدعي حجمها الكبير ونزفها الشديد يصيبك بالخوف، فأغلب النساء الحوامل قد مررن بتجربة مشابهة، فقط دعي طبيبك على اطلاع بكل جديد واتركي له تقدير متطلبات الحالة وعلاجها.
  • التركيز على أهمية التغذية الصحية والجيدة للمرأة الحامل، فالغذاء الذي تتناوله المرأة الحامل سوف يوزع لها ولجنينها وذلك سينعكس إيجاباً على صحتها وصحة جنينها (الجسدية العامة والسنية)، ينصح عادة بالإكثار من تناول الخضار والفواكه الطازجة، اللبن، الجبن، المكسرات، جميعها أطعمة صحية ومفيدة لكِ ولطفلك كما أنها أقل الأطعمة الحاوية على السكريات، والتي تعتبر من أهم أسباب حدوث النخر، دائماً تذكري المقولة الشهيرة: "العناية بأسنان الإنسان تبدأ منذ الحياة الجنينية"، أي أنك مسؤولة عن صحتك وصحة طفلك منذ هذه اللحظة.

أخيراً.. يبقى أن نقول أن ثقافتك ووعيك الطبي بالمشاكل الصحية التي قد تواجهك خلال هذه الفترة عامل مهم لكي تقي نفسكِ منها، أو حتى أحياناً قد يسهل العلاج، لذلك ثابري على اطلاعك على كل جديد بهذا الخصوص، ولا تتردي باستشارة أطبائك باستمرار عند أي جديد، فصحتك وصحة جنينك هي أغلى ما تملكين.