كيف ستغيّر رؤية 2030 تجربة السفر في السعودية؟

  • تاريخ النشر: منذ 7 ساعات زمن القراءة: 7 دقائق قراءة

مستقبل السياحة في السعودية: تجارب إنسانية وهوية محلية تعيد تعريف الضيافة

مقالات ذات صلة
إنجازات السعودية في التراث واليونسكو ضمن رؤية 2030
الأزياء السعودية: مزيج من التراث والحداثة في رؤية 2030
السفر مع الأطفال تجربة ممتعة بقليل من التنظيم

قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن السياحة في السعودية يدور في الغالب حول الإمكانات والطموحات المستقبلية.

كانت المملكة تُعرف عالمياً بكونها وجهةً دينيةً أو مركزاً للأعمال، بينما كانت مقوماتها الطبيعية والثقافية لا تزال بعيدة عن أعين كثير من المسافرين حول العالم. أما اليوم فقد تغيرت الصورة بالكامل؛ فمن المنتجعات الفاخرة على البحر الأحمر إلى المواقع التراثية في العلا، والفعاليات العالمية في الرياض، والمشاريع السياحية العملاقة التي تُعلن تباعاً، أصبحت السعودية واحدةً من أسرع الوجهات السياحية نمواً في العالم، وتعيش تحولاً غير مسبوق يعيد تعريف مفهوم السفر إليها.

السعودية.. أسرع الوجهات السياحية نمواً

لكن وسط هذا النمو المتسارع، يبرز سؤال يتجاوز عدد الفنادق الجديدة أو حجم الاستثمارات: كيف ستبدو تجربة السفر في السعودية خلال السنوات المقبلة؟ وما الذي سيجعلها مختلفة عن أي وجهة أخرى؟

في مقابلة خاصة مع Layalina، يشارك إيدي طنوس، الرئيس التنفيذي للعمليات في مجموعة روتانا للفنادق، رؤيته لمستقبل السياحة والضيافة في المملكة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة لن تعتمد فقط على افتتاح المزيد من الفنادق، بل على بناء تجارب أكثر إنسانية، وأكثر ارتباطاً بالثقافة المحلية، وأكثر قدرة على ترك أثر يدوم في ذاكرة الزائر.

السعودية... وجهة تتجدد مع كل رحلة

يرى طنوس أن أحد أهم إنجازات رؤية السعودية 2030 يتمثل في تغيير الطريقة التي ينظر بها العالم إلى المملكة؛ فبعد أن كانت تُختزل في صورة واحدة، أصبحت اليوم تضم مجموعة واسعة من التجارب التي تجعل كل منطقة فيها وجهة مستقلة بذاتها.

ويقول: «لقد فتحت رؤية السعودية 2030 أنظار العالم على المملكة، ودورنا كمشغلي فنادق لا يقتصر على أن نكون جزءاً من هذا التحول، بل على أن نساهم فيه بشكل فعّال».

ففي العلا، يكتشف الزائر حضارة يعود تاريخها إلى آلاف السنين وسط تكوينات صخرية استثنائية. وفي الرياض، يعيش إيقاع مدينة عالمية تنبض بالفعاليات الثقافية والترفيهية والرياضية على مدار العام. أما جدة، فتجمع بين سحر البحر الأحمر وعبق منطقة «البلد» التاريخية، بينما تقدم عسير تجربة مختلفة تماماً بطبيعتها الجبلية وأجوائها المعتدلة، في حين تبرز مناطق أخرى مثل جازان كوجهات واعدة تحمل طابعاً خاصاً ينتظر من يكتشفه.

ويؤكد طنوس أن هذا التنوع هو إحدى أكبر نقاط القوة في المملكة؛ لأن الزائر لم يعد يكتفي بزيارة مدينة واحدة، بل أصبح قادراً على خوض رحلات متعددة داخل بلد واحد تختلف في طبيعتها وثقافتها ومناخها وتجاربها.

من الفنادق إلى التجارب

يرى طنوس أن مستقبل الضيافة في السعودية لن يعتمد على تشييد المزيد من المباني الفاخرة بقدر ما يعتمد على تقديم تجارب تناسب شخصية كل وجهة.

ولهذا السبب، تتوسع روتانا اليوم في عدد من المدن الرئيسية والناشئة، مع الحرص على اختيار العلامة الفندقية التي تنسجم مع طبيعة كل مدينة، بدلاً من تطبيق نموذج واحد في جميع المشاريع.

ويشير إلى أن الرياض، على سبيل المثال، تشهد إقبالاً متزايداً على الفنادق ذات الطابع العصري أو ما يُعرف بفنادق «اللايف ستايل»، التي توفر أجواء أكثر مرونة وعفوية، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة والخدمة.

ويضيف أن المسافرين اليوم أصبحوا يبحثون عن أماكن تعكس روح المدينة التي يزورونها، وليس مجرد غرف متشابهة يمكن أن يجدوها في أي مكان آخر في العالم.

الرفاهية... مفهوم يتغير

من أكثر المفاهيم التي تغيرت في عالم السفر خلال السنوات الأخيرة هو مفهوم الرفاهية، وهو تحول يراه طنوس بوضوح في سلوك المسافرين.

فبعد أن كانت الفخامة ترتبط بالمساحات الواسعة، أو التصاميم المبهرة، أو عدد النجوم، أصبحت اليوم ترتبط بشعور الضيف أثناء إقامته.

ويقول: «الرفاهية هي المساحة، والوقت، والشعور بالتقدير. فالناس اليوم يبحثون عن التجارب... هل شعرت بأنك موضع اهتمام؟ هل حصلت على الخصوصية والراحة؟ هذه هي الرفاهية الحقيقية».

ويضيف أن الرفاهية لم تعد شيئًا يمكن قياسه بحجم الفندق أو تكلفة بنائه، بل أصبحت تجربة متكاملة يعيشها الضيف من لحظة وصوله وحتى مغادرته، وتشمل جودة الخدمة، وسهولة التفاصيل اليومية، والقدرة على تلبية احتياجاته بطريقة شخصية.

كما يشير إلى أن المسافرين السعوديين أصبحوا أكثر انفتاحًا على العالم وأكثر خبرة في السفر؛ وهو ما رفع سقف توقعاتهم بشكل كبير، وجعل المنافسة الحقيقية تدور حول جودة التجربة وليس المظهر فقط.

التكنولوجيا... عندما تخدم الإنسان

يصعب الحديث عن مستقبل السفر دون التطرق إلى الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح محورًا رئيسيًا في مختلف قطاعات الضيافة حول العالم. لكن بالنسبة إلى طنوس، فإن التكنولوجيا ليست الهدف، بل الوسيلة.

ويقول: «علينا أن نبدأ دائمًا بالسؤال: ما الذي نريد أن يشعر به الضيف؟ ثم نفكر كيف يمكن للتقنية أن تساعدنا في تحقيق ذلك».

فالتقنيات الحديثة تستطيع أن تختصر وقت تسجيل الدخول، وتساعد الفنادق على فهم تفضيلات الضيوف، وتحسن سرعة الاستجابة، وترفع الكفاءة التشغيلية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التواصل الإنساني.

ويؤكد أن الضيافة ستظل دائمًا قائمة على العلاقة بين الإنسان والإنسان؛ لأن المسافر، خصوصًا عندما يزور بلدًا جديدًا، يبحث عن الشعور بالترحيب والاهتمام، وليس فقط عن خدمة سريعة.

ويضيف: «يجب أن تدعم التكنولوجيا التجربة، لا أن تستبدلها بالكامل».

ويرى أن المستقبل سيمنح الضيوف حرية الاختيار؛ فمن يرغب في إنجاز كل شيء رقميًا سيتمكن من ذلك، بينما سيظل التواصل الشخصي متاحًا لمن يفضله.

الاستثمار الحقيقي... في الكفاءات

ورغم حجم المشاريع الضخمة التي تشهدها المملكة، يعتقد طنوس أن أكبر تحدٍّ يواجه قطاع الضيافة ليس بناء الفنادق، بل بناء الكفاءات التي ستديرها. فمع افتتاح عشرات الفنادق الجديدة، يزداد الطلب على كوادر تمتلك المهارات العالمية، وفي الوقت نفسه تعكس الثقافة السعودية وقيمها الأصيلة.

ويقول: «التحدي يكمن في المزج بين المعايير العالمية للضيافة والمواهب السعودية، مع مواكبة السرعة التي يشهدها هذا التحول».

ويشير إلى أن نجاح أي فندق لا يعتمد على تصميمه أو موقعه فقط، بل على الأشخاص الذين يستقبلون الضيوف ويصنعون تجربتهم اليومية، وهو ما يجعل الاستثمار في التدريب والتطوير أحد أهم عناصر نجاح القطاع خلال السنوات المقبلة.

كما يؤكد أن رؤية 2030 لم تفتح المجال للاستثمار في المباني فحسب، بل خلقت آلاف الفرص أمام الشباب السعودي للعمل في قطاع أصبح من أسرع القطاعات نمواً في المملكة.

نحو سياحة بهوية سعودية

ومع اقتراب استضافة المملكة لفعاليات عالمية كبرى مثل إكسبو 2030 وكأس العالم لكرة القدم، يتوقع طنوس أن تشهد السعودية مرحلة جديدة من النمو السياحي، ليس فقط من حيث أعداد الزوار، بل من حيث جودة التجربة التي سيعيشها كل مسافر.

ويؤمن بأن ما يميز السعودية عن غيرها هو أنها لا تسعى إلى تقليد وجهات سياحية أخرى، بل تعمل على بناء شخصية سياحية خاصة بها تستند إلى تاريخها وثقافتها وتنوعها الجغرافي وكرم الضيافة الذي عُرفت به منذ عقود.

ويختتم حديثه قائلاً: «أؤمن بأن قطاع الضيافة في السعودية سيواصل النمو من قوة إلى قوة؛ فعندما تمتلك رؤية واضحة مثل رؤية السعودية 2030، يكون الاتجاه طويل المدى قوياً للغاية».

وبينما تتغير ملامح المملكة بسرعة، يبدو أن التحول الحقيقي لا يكمن فقط في الفنادق الجديدة أو الوجهات التي تُفتتح، بل في الطريقة التي سيشعر بها الزائر عند وصوله. فالسعودية لا تبني صناعة سياحية جديدة فحسب، بل تعيد تعريف معنى الضيافة نفسها، لتصبح كل رحلة تجربة تجمع بين الأصالة والابتكار وبين الثقافة المحلية والمعايير العالمية وبين التكنولوجيا واللمسة الإنسانية التي تجعل من كل زيارة ذكرى تستحق أن تُروى.