الفخامة لم تعد جناحًا ملكيًا.. الرئيس التنفيذي لقمة مستقبل الضيافة يكشف كيف ستغيّر التكنولوجيا والرفاهية مفهوم السفر
مفهوم الفخامة الجديد يركز على الرفاهية النفسية واللمسة الإنسانية في ظل تطور الذكاء الاصطناعي بقطاع الضيافة
الفخامة لم تعد كما كانت... بل أصبحت شعورًا
هل يمكن أن يكون الاستحمام بماء ساخن رفاهية؟
قد يبدو السؤال غريبًا في عام 2026، لكن بالنسبة لعلي شاهيد، الرئيس التنفيذي لشركة The Bench المنظمة لقمة Future Hospitality Summit، فإن هذا المثال يختصر تمامًا كيف تغيّر مفهوم الفخامة عبر الزمن.
في حديثه، لا يتحدث شاهيد عن الأجنحة التي تبلغ أسعارها مئات آلاف الدولارات، ولا عن الخدمات الذهبية أو السيارات الفارهة، بل عن شيء أبسط بكثير: الوقت، والراحة، والصحة النفسية، والعلاقات الإنسانية.
ومن هنا تبدأ قصة صناعة الضيافة الجديدة.
من مؤتمر استثماري إلى منصة ترسم مستقبل القطاع
قبل أكثر من عقدين، انطلقت الفكرة كمؤتمر يجمع المستثمرين في قطاع الفنادق في الشرق الأوسط، لكنها تطورت تدريجيًا لتصبح واحدة من أهم المنصات العالمية التي تناقش مستقبل الضيافة والاستثمار والسياحة.
ويؤكد شاهيد أن تطور المملكة العربية السعودية، وانفتاحها على السياحة العالمية، كان أحد أبرز العوامل التي دفعت الحدث إلى التوسع، حتى أصبح يحمل اسم Future Hospitality Summit ليعكس رؤية أشمل تتجاوز الفنادق إلى مستقبل القطاع بأكمله.
رئيس تنفيذي... في أصعب توقيت
في يناير الماضي، تولى علي شاهيد منصب الرئيس التنفيذي للشركة بعد نحو عشر سنوات قضاها داخل المؤسسة، بدأها مديرًا للتسويق.
لكن الأشهر الأولى لم تكن كما توقع.
فبعد الانتهاء من الاجتماع الاستراتيجي السنوي ووضع الخطط الجديدة، تغير كل شيء مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما فرض تحديات جديدة على صناعة تعتمد أساسًا على السفر والاستثمار والثقة.
ورغم ذلك، يرى أن القيادة اليوم لا تعني السيطرة على كل الظروف، بل القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة وسط حالة من عدم اليقين.
لماذا لا تزال المؤتمرات مهمة في عصر الاجتماعات الافتراضية؟
قد يعتقد البعض أن الاجتماعات الافتراضية ومنصات التواصل أنهت الحاجة إلى المؤتمرات، لكن شاهيد يرى العكس تمامًا.
ففي عالم يغرق بالمعلومات، تبقى الثقة هي العملة الأغلى.
ولا يمكن بناء الثقة بالكامل عبر شاشة.
المصافحة، والنقاشات الجانبية، واللقاءات غير المخطط لها، هي التي تصنع غالبًا أكبر الصفقات وأهم الشراكات.
ولهذا السبب، يؤكد أن المؤتمرات لم تعد مجرد فعاليات، بل أصبحت منصات لبناء العلاقات الإنسانية التي يصعب استبدالها بالتكنولوجيا.
الإعلام... شريك وليس مجرد ناقل للأخبار
يرى شاهيد أن وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا في نجاح أي حدث عالمي.
ويصف المؤتمرات بأنها "لوحة فنية"، بينما تمثل الشركات والمستثمرون الفنانين الذين يرسمون تفاصيلها، أما الإعلام فهو الجسر الذي ينقل هذه القصة إلى العالم.
ولهذا تمنح المؤسسة الصحفيين بطاقات إعلامية خاصة، لأنها تؤمن بأن القصص التي تولد داخل المؤتمرات تستحق أن تصل إلى جمهور أوسع، سواء كانت صفقات جديدة أو أفكارًا أو نقاشات ترسم مستقبل الصناعة.
الذكاء الاصطناعي... ليس لاستبدال البشر
ربما يكون الذكاء الاصطناعي هو أكثر المواضيع حضورًا في قطاع الضيافة اليوم.
لكن شاهيد يقدم رؤية مختلفة.
فهو لا يؤمن بأن الهدف من الذكاء الاصطناعي هو تقليل عدد الموظفين.
بل العكس.
يرى أن التكنولوجيا يجب أن تمنح الإنسان فرصة أكبر للإبداع.
فالوظائف الروتينية والإدارية يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها بسرعة ودقة، بينما يبقى الإنسان مسؤولًا عن الابتكار، والضيافة، وبناء التجارب العاطفية التي لا تستطيع الآلات تقديمها.
ويؤكد أن الفنادق ستظل، في جوهرها، صناعة إنسانية تعتمد على التواصل الحقيقي بين الناس.
كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي داخل المؤتمر نفسه؟
بدلًا من الاكتفاء بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، بدأت المؤسسة بالفعل في توظيفه عمليًا.
فكل جلسة في المؤتمر يتم تسجيلها وتحويلها مباشرة إلى نصوص مكتوبة، ثم تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي الداخلية بإعداد ملخصات وأبرز النقاط والاقتباسات المهمة خلال دقائق فقط.
والهدف ليس استبدال حضور الجلسات، بل تمكين المشاركين الذين كانوا منشغلين بالاجتماعات أو بناء العلاقات من متابعة كل ما فاتهم بسهولة.
إنه مثال واضح على استخدام التكنولوجيا لتحسين التجربة، وليس لإلغاء العنصر البشري.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي مثل الآلة الحاسبة؟
يقدم شاهيد تشبيهًا لافتًا.
في الماضي، كان الجميع يحفظ أرقام الهواتف عن ظهر قلب.
أما اليوم، فلم نعد بحاجة إلى ذلك لأن الهواتف الذكية تقوم بهذه المهمة.
وهذا لا يعني أن الإنسان أصبح أقل ذكاءً، بل أصبح يستخدم قدراته العقلية في أمور أخرى.
ويرى أن الذكاء الاصطناعي قد يسلك المسار نفسه.
لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل، بل كيف سنختار نحن استخدامه.
ما معنى الفخامة في عام 2026؟
إذا سألت علي شاهيد عن تعريف الفخامة، فلن يجيبك باسم فندق خمس نجوم.
بل سيقول:
الفخامة هي أن تحصل على ليلة هادئة مع عائلتك.
أن تجد وقتًا للراحة.
أن تنام على سرير مريح.
أن تبتعد قليلًا عن ضغوط الحياة.
وبصفته أبًا لطفلين صغيرين، يؤكد أن الهدوء أصبح بالنسبة له من أعظم أشكال الرفاهية، أكثر من أي جناح فاخر أو تجربة باهظة الثمن.
هل يمكن للجميع أن يعيش تجربة فاخرة؟
الإجابة بالنسبة له هي نعم.
لأن الفخامة مفهوم نسبي.
فقد يشعر شخص بالسعادة داخل جناح تبلغ قيمته مئات آلاف الدولارات لليلة الواحدة، بينما يجد آخر قمة الرفاهية في كوب قهوة يطل على الجبال أو حمام دافئ بعد رحلة طويلة.
ولهذا السبب، يشهد العالم اليوم انتشار مفهوم "الفخامة الميسّرة"، حيث تسعى الفنادق والعلامات التجارية إلى تقديم تجارب راقية بأسعار يمكن لشريحة أكبر من المسافرين الاستمتاع بها.
الرفاهية القادمة اسمها "الصحة"
إذا كان الاستدامة أصبحت اليوم مطلبًا أساسيًا في الفنادق، فإن شاهيد يعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون بعنوان مختلف تمامًا.
إنها الرفاهية الصحية.
فالضيوف لن يبحثوا فقط عن غرف جميلة أو مطاعم مميزة، بل عن فنادق تساعدهم على تحسين صحتهم الجسدية والنفسية.
ويربط هذا التحول بما بعد جائحة كورونا، التي دفعت ملايين الأشخاص لإعادة التفكير في أسلوب حياتهم، إلى جانب تزايد اهتمام الأجيال الشابة بالرياضة والتغذية والصحة النفسية.
مستقبل الضيافة... بين الفخامة الحصرية والفخامة المتاحة للجميع
هل المستقبل سيكون للنخبة فقط؟
لا يعتقد شاهيد ذلك.
ففي رأيه، يسير القطاع في اتجاهين متوازيين.
الأول يتمثل في نمو المساكن الفاخرة المرتبطة بعلامات عالمية مثل فورسيزونز وماندارين أورينتال، والتي تستهدف أصحاب الثروات الكبيرة.
أما الاتجاه الثاني، فهو ازدهار الفنادق العصرية، والإقامات القصيرة، وبيوت العطلات، وتجارب السفر التي تمنح إحساسًا بالفخامة دون ميزانيات ضخمة.
وهذا يعني أن مفهوم الرفاهية أصبح أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، بحيث يستطيع كل مسافر العثور على نسخته الخاصة منها.
الخلاصة
تكشف رؤية علي شاهيد أن مستقبل الضيافة لن يُقاس بعدد النجوم أو حجم الأجنحة الفندقية، بل بقدرة الفنادق على الجمع بين الذكاء الاصطناعي، واللمسة الإنسانية، والاهتمام بالصحة والرفاهية.
ففي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، تبقى التجربة الإنسانية هي العنصر الأكثر قيمة. وربما تكون الفخامة الحقيقية اليوم، كما يراها شاهيد، هي أن تمنحك رحلتك شعورًا بالراحة، والهدوء، والوقت الذي نفتقده جميعًا.