لماذا يُعدّ النوم واللعب والتفاعل الاجتماعي في السنوات الأولى أكثر أهمية لصحة دماغ الطفل من التحصيل الأكاديمي؟
تشير الأبحاث العلمية إلى أن ما يصل إلى 90% من الروابط العصبية في دماغ الطفل تتكوّن قبل بلوغه سن الخامسة، وهي مرحلة حاسمة ترسم ملامح التعلم والصحة النفسية والجسدية والرفاه على امتداد العمر.
وفي عالم سريع الإيقاع ويركز على التنافس الشديد، يدفع هذا الواقع كثيرين إلى الاعتقاد بأن البدء بالتعليم الأكاديمي في عمر مبكر هو السبيل الأمثل لتأهيل الطفل للنجاح.
إلا أن هذا التوجّه، رغم نواياه الإيجابية، لا ينسجم دائماً مع الكيفية التي ينمو بها دماغ الطفل في سنواته الأولى. فأسس التعلم طويل الأمد، والإبداع، والقدرة على التكيف العاطفي، لا تُبنى من خلال الضغط الأكاديمي المبكر، بل من خلال عادات بسيطة وأساسية تتمثل في النوم، واللعب، والروتين الاجتماعي.
أهمية النوم لتطور دماغ الطفل
يُعدّ النوم عنصراً محورياً في توفير قاعدة صحية لنمو دماغ الطفل وجسده. ففي السنوات الأولى من الحياة، يلعب النوم دوراً أساسياً في تطوير المهارات الحركية، ودعم عمليات التعلم، وترسيخ الذاكرة. فالمعارف والمهارات التي يكتسبها الطفل خلال النهار تبقى عرضة للتلاشي أو التغير إذا لم تُثبَّت في الذاكرة أثناء النوم الليلي.
ويرتبط نقص النوم لدى الأطفال بارتفاع احتمالات الإصابة بمجموعة واسعة من المشكلات الصحية والجسدية والنفسية في مراحل لاحقة من الحياة، من أمراض القلب والسكري، إلى الاضطرابات السلوكية وتراجع الأداء المعرفي. كما يؤثر النوم، في الطفولة كما في الرشد، بشكل مباشر في حالتنا العاطفية، وقدرتنا على التعبير عنها، والتفاعل مع تجارب التعلم، وإيجاد الحلول، وتقبّل الفشل. وباختصار، يواجه الأطفال الذين لا يحصلون على نوم كافٍ صعوبة أكبر في التعامل مع تحديات الحياة اليومية.
اللعب كعنصر أساسي للتعلم
تقول خبيرة التربية المعروفة الدكتورة ماريا مونتيسوري إن اللعب هو بمثابة العمل للطفل، حيث تؤكد الدراسات أن اللعب ليس نشاطاً جانبياً بعيداً عن التعلم، بل هو الوسيلة الأهم التي يتعلم من خلالها الأطفال. فمن خلال اللعب، يستكشف الطفل العالم من حوله ويعبّر عن قدراته. ويسهم اللعب الحر غير الموجّه في تشكيل المسارات العصبية، وتنمية المهارات الحركية، وحل المشكلات، والإبداع، والفهم الاجتماعي. كما يتعلم الأطفال عبر اللعب كيفية بناء العلاقات، وتنظيم مشاعرهم، وبناء مرونتهم في مواجهة تحديات الحياة.
بالإضافة إلى ذلك، يساهم اللعب في تحريك الخيال، ويعزز الثقة بالنفس والفضول، ما يسرّع وتيرة النمو. وتُظهر دراسات علم النفس أن الفضول يدفع الأطفال إلى التعلم من خلال التجربة والخطأ، كعلماء صغار يختبرون فرضياتهم. وبهذه الطريقة، يتكوّن التعلم الحقيقي. فالفضول، الذي يغذي السلوك الاستكشافي، يسهم أيضاً في تطور الوظائف التنفيذية العليا، ويُمكّن الأطفال من اتخاذ قرارات قائمة على الخبرة و التجربة . كما أن تنشيط مراكز المتعة في الدماغ يعزز باستمرار الرغبة في التعلم.
تعزيز الاستقرار العاطفي في حياة الأطفال
في السنوات الأولى، يقوم عالم الطفل على الإحساس بالاستقرار. فالروتين الاجتماعي المنتظم، مثل مواعيد الوجبات، وجداول الحضانة، وطقوس ما قبل النوم، جميعها عوامل تعزز شعور الأطفال بالأمان، والارتباط بمن حولهم، والاستعداد لاكتشاف تجارب جديدة.
يساعد هذا النسق المستقر من الرعاية والتفاعل الأطفال على تكوين علاقات ذات مغزى، والتعامل مع التحديات بثقة أكبر، كما يسهم في ترسيخ شعورهم بالكفاءة والاستقلالية وتعزيز روح التعاون لديهم. وفي الوقت نفسه، يوفّر وجود جدول منتظم مع قدر من المرونة توازناً مدروساً بين الشعور بالأمان الناتج عن الاستمرارية، والمساحة التي تتيح لهم حرية الاستكشاف.
دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات
تأتي هذه المقاربة ضمن إطار نهج التعليم المستدام الذي اعتمدناه في مجموعة بابيلو فاميلي، وهو نهج لا يستبعد التعليم الأكاديمي في المراحل المبكرة، وإنما يعيد تحديد ما ينبغي تقديمه أولاً. فالغاية هي إرساء قاعدة راسخة للنمو العاطفي والاجتماعي والمعرفي. ومن خلال ترسيخ عادات النوم واللعب والروتين الاجتماعي، نستطيع دعم تنشئة أطفال يتمتعون بصحة ذهنية أفضل، وتعاطف أعمق، وصلات أكثر رسوخاً بالعالم من حولهم.