أسبوع دبي للموضة 2026 يشهد الظهور الأول لعلامة Absent Findings برؤية تصميمية مستدامة

  • تاريخ النشر: منذ 6 ساعات زمن القراءة: 7 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
Alberta Ferretti تفتتح أسبوع دبي للموضة 2026 برؤية عالمية
صيحات ربيع وصيف 2026 تزيّن منصات أسبوع دبي للموضة
إطلالات المشاهير في أسبوع الموضة في دبي: تصاميم مستدامة

شهد أسبوع دبي للموضة 2026 لحظة فارقة في مسار الموضة المعاصرة، ليس فقط بوصفه منصة إقليمية تتسع بثبات للحوار العالمي، بل كمساحة تُعيد تعريف مفاهيم الفخامة والحرفية والاستدامة. من بين العروض التي لفتت الأنظار، جاء الظهور الأول لعلامة Absent Findings، الدار التي تتخذ من دبي مقرًا لها، لتقدّم مجموعتها خريف وشتاء 2026–2027 بعنوان "ليس كما تظن"، في عرضٍ حمل دلالات جمالية وفكرية عميقة، عاكسًا فلسفة تصميمية تتجاوز الشكل إلى المعنى.

لم يكن هذا العرض مجرد تقديم مجموعة جديدة، بل بيانًا بصريًا وفلسفيًا حول الذاكرة، والغياب، والبنية المعمارية للملابس، وعلم نفس ارتدائها. وبقيادة مؤسس العلامة ومديرها الإبداعي شيفين سينغ، قدّمت Absent Findings قراءة معاصرة لفكرة الفخامة، تقوم على الأقمشة المتبقية والفائضة كمصدر إبداعي أساسي، وعلى دمج مدروس بين الخياطة الإيطالية الكلاسيكية والحرف اليدوية المستمدة من جنوب آسيا، ضمن إطار سريالي هادئ يتحدى التوقعات.

دبي كمنصة للموضة المفاهيمية الجديدة

  1. اختيار أسبوع دبي للموضة كمنصة للظهور الأول لم يكن مصادفة، فقد رسّخ الأسبوع، خلال مواسمه الأخيرة، مكانته كمساحة تلتقي فيها الثقافات، وتتجاور فيها الرؤى الحرفية مع الطموحات العالمية
  2. دبي، المدينة التي بُنيت على التعدد والانفتاح، وفّرت السياق المثالي لعلامة مثل Absent Findings، التي ترى في التهجين الثقافي ليس مجرد أسلوب، بل ضرورة إبداعية.

في هذا الإطار، جاء العرض كجزء من برنامج مدروس، يعكس تحوّل أسبوع دبي للموضة من حدث استعراضي إلى منصة فكرية تُناقش قضايا الصناعة: من الاستدامة، إلى الهوية، إلى مستقبل الإنتاج الفاخر في عالم يعيد النظر في موارده.

"ليس كما تظن": عنوان يفتح باب التأويل

  1. يحمل عنوان المجموعة "ليس كما تظن" دلالة مباشرة على الفلسفة التي تحكم أعمال شيفين سينغ. فالتصاميم لا تُقدَّم باعتبارها إجابات جاهزة، بل كدعوة لإعادة النظر في الافتراضات: ما الذي يجعل قطعة ما فاخرة؟ هل هو مصدر القماش، أم مهارة الخياطة، أم الفكرة الكامنة خلفها؟
  2. منذ اللحظة الأولى على منصة العرض، بدا واضحًا أن المجموعة تسير ضد السائد. الطبقات المتداخلة، الأطوال الممتدة، والأحجام التي تبدو أحيانًا مشوّهة عن قصد، جميعها عناصر تُجبر المتلقي على التمهل، وعلى قراءة القطعة بوصفها بنية فكرية بقدر ما هي زي يُرتدى.

المسرح كامتداد للفكرة

  1. اعتمد العرض على لغة مسرحية هادئة، حيث تحرّكت العارضات بإيقاع بطيء، يسمح للعين بالتقاط التفاصيل الدقيقة في البناء والتشطيب، لم تكن هناك مبالغة في الإضاءة أو الموسيقى، بل تركيز على العلاقة بين الجسد والملبس، وبين الحركة والثقل البصري للأقمشة.
  2. هذا التقديم المسرحي عزّز من حضور مفاهيم الذاكرة والغياب، وهي ثيمات مركزية في فلسفة العلامة. فكل قطعة بدت وكأنها تحمل أثرًا سابقًا، أو تاريخًا غير مكتمل، في انسجام تام مع فكرة استخدام الأقمشة المتبقية، التي تحمل بدورها حياة سابقة قبل أن تتحول إلى جزء من تصميم جديد.

الأقمشة المتبقية: من قيد إنتاجي إلى مبدأ جمالي

  1. حوالي 70% من المجموعة صُنعت من أقمشة فائضة عالية الجودة، جُمعت من مصادر عالمية مختلفة، هذه المواد، التي غالبًا ما تُهمل أو تُقصى من دور الإنتاج الكبرى، تحوّلت في يد شيفين سينغ إلى عنصر تصميمي واعٍ، لا يخفي محدوديته بل يحتفي بها.
  2. ظهرت حواف الساري والأقمشة الفائضة كإضافات مقصودة على السطح، وكبطانات داخلية، وكألواح بنيوية تعيد تشكيل القطعة، لم تُستخدم هذه العناصر كزخرفة، بل كجزء من المنطق البنائي للتصميم، ما منح القطع ذكاءً ماديًا واضحًا، وشعورًا بأن كل تفصيلة لها سبب وذاكرة.

ذكاء مادي ولغة ملمسية جديدة

  1. هذا التعامل مع المواد أفرز لغة ملمسية غنية، حيث تتجاور الأقمشة الثقيلة مع الخفيفة، والناعمة مع الخشنة، في توازن مدروس. تظهر آثار الخياطة اليدوية بوضوح، لا كعيب، بل كدليل على رحلة القطعة من المشغل إلى منصة العرض.
  2. النتيجة هي تصاميم لا تسعى إلى الإخفاء أو التمويه، بل تكشف عن بنيتها الداخلية، وتربط بين الحرفي وسلسلة التوريد الدائرية، في لحظة نادرة من الصراحة داخل عالم الموضة الفاخرة.

بوليمودا: جسر بين فلورنسا ودبي

  1. قُدِّمت المجموعة بالتعاون مع Polimoda، مدرسة الأزياء الخاصة في فلورنسا، التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل رؤية شيفين سينغ. تلقّى المصمم تدريبه هناك، ويعمل اليوم بين فلورنسا ودبي، متنقلًا بين مدينتين تمثلان مدرستين مختلفتين في فهم الموضة والحرفة.
  2. من فلورنسا، استقى شيفين أساليب البناء الإيطالية الكلاسيكية: الهياكل الداخلية الدقيقة، تشطيبات الدرزات المتقنة، والاهتمام الصارم بالتفصيل. ومن دبي وجنوب آسيا، استحضر الانفتاح الثقافي، والحرف اليدوية، والجرأة في كسر القوالب.

الخياطة الإيطالية بلمسة جنوب آسيوية

  1. يُعد هذا التزاوج بين المدرستين من أبرز نقاط قوة المجموعة، فالقصّات تحمل انضباط الخياطة الإيطالية، بينما تُطعّم بلمسات حرفية مستوحاة من الهند ومنظومة جنوب آسيا الأوسع.
  2.  سواء عبر التطريزات اليدوية الدقيقة، أو من خلال استخدام تقنيات تقليدية أعيد تفسيرها بلغة معاصرة.
  3. هذا الدمج لا يبدو قسريًا أو استشراقيًا، بل نابعًا من تجربة شخصية وثقافية عميقة، حيث يرى شيفين أن الهوية ليست ثابتة، بل في حالة تشكّل دائم.

السريالية الهادئة كخيار جمالي

  1. تحضر السريالية في أعمال Absent Findings بشكل غير صاخب، لا نجد عناصر غرائبية مباشرة، بل انحرافات طفيفة في النسب، وأطوالًا غير متوقعة، وأشكالًا تجعل الجسد يبدو وكأنه جزء من تكوين معماري أكبر.
  2. في كثير من الإطلالات، بدا الجسد كعنصر داخل فضاء، لا مركزه، ما يعكس اهتمام شيفين بفكرة العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الفرد والبنية التي تحتويه، هذه المقاربة تضيف بعدًا نفسيًا للتصاميم، يجعل ارتداءها تجربة ذهنية بقدر ما هو تجربة حسية.

لوحة ألوان معمارية

  1. جاءت لوحة الألوان هادئة ومدروسة، تميل إلى الدرجات الترابية، والرماديات، والأسود، مع لمسات محدودة من الألوان العميقة.
  2. هذه الخيارات اللونية عززت الطابع المعماري للمجموعة، وسمحت للقصّات والمواد بأن تكون في الصدارة، دون تشويش بصري.

اللون هنا ليس أداة جذب فوري، بل عنصر توازن، يربط بين القطع المختلفة ويمنحها استمرارية سردية.

الذاكرة والغياب كمحرّك إبداعي

  1. يصف شيفين سينغ علامته التجارية بأنها مستودع لمراجع شخصية، ولحظات عابرة من الغياب تؤثر في كيفية تشكيله للأحجام والنسب.
  2. هذا البعد الذاتي لا يظهر في شكل سيرة ذاتية مباشرة، بل كإحساس عام بالحنين غير المحدد، وبالزمن غير الخطي.

كل قطعة تبدو وكأنها تلتقط لحظة بين الماضي والحاضر، بين ما كان وما يمكن أن يكون، وهو ما يمنح المجموعة عمقًا يتجاوز الاتجاهات الموسمية.

دبي كمختبر للأفكار الجديدة

  1. مع هذا العرض، يثبت أسبوع دبي للموضة 2026 أنه ليس مجرد محطة في روزنامة العروض العالمية، بل مختبر حقيقي للأفكار الجديدة، حيث تجد علامات مثل Absent Findings مساحة للتجريب، ولإعادة تعريف العلاقة بين التراث، والحرفة، والاستدامة.
  2. في نهاية المطاف، تقدّم Absent Findings رؤية تؤكد أن الموضة، حين تُصاغ بصدق وعمق، قادرة على أن تكون لغة ثقافية، ووسيلة تفكير، ومساحة للتأمل. وربما هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة «ليس كما تظن»: دعوة مفتوحة لإعادة النظر، ليس فقط في الملابس، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم من حولنا.