بالتكنولوجيا تبدأ العلاقات

  • تاريخ النشر: الأحد، 26 أبريل 2015 | آخر تحديث: الإثنين، 07 فبراير 2022
مقالات ذات صلة
التكنولوجيا
في الحلقة 28 من مسلسل البيت بيت أبونا تبدأ علاقة عبد الوهاب بالتحسن بشكل كبير مع عماته
تكنولوجيا متطورة لمساعدة كل أم

تسللت مسرعة إلى المصعد، وكأن أحداً يزاحمني تماما كما هي حياتنا، كنت أريد أن أصل فورا إلى شقتي في الطابق التاسع والثلاثين، لمَ العجلة؟ لا أعلم، كلنا نريد أن ننجز مهامنا بسرعة، نتبع سرعة الزمن لاهثين.

لم أشعر أبدا بوجود أحد غيري في المصعد، باغتني صوته، وباغتني سؤاله أكثر، سألني عن هاتفي المحمول الجديد، كنت أحمله في يدي، وقد اقتنى لنفسه هاتفا مماثل، وصل إلى طابقه قبلي، لم يودعني جاري بكلمة، لم يتمنَ لي يوما سعيدا، فما جمعنا هو الإصدار الجديد من الهاتف النقال، وليس الجوار، غاب جاري، سريعا أيضاً.

حين وصلت، وقبل أن ألتقط مفتاح الشقة من حقيبتي، تدفقت الرسائل من جديد في مجرى هاتفي وكأن دقيقة من انقطاع الإنترنت في المصعد دهر، تصفحت الرسائل النصية في هاتفي، سعادة، حزن، ولادة، موت، احتفال، عزاء، كل التناقضات في هاتفي، وأنا كالجميع أقدم واجباتي الاجتماعية عبر رسالة يحملها هاتفي وتصل بسرعة فائقة.

أصبح للعلاقات رائحة الرماد منذ انتشرت وسائل التكنولوجيا وشملت حتى تواصلنا مع بعضنا، نكاد لا نحصي عدد الرسائل التي نتواصل بها يوميا دون لهب الحنين، وشعلة الشوق، دون حواس.

نعم، علينا ترتيب حواسنا من جديد، علينا أن نرمم علاقاتنا من جديد، أن نحيي الزيارات، السلام، التصافح، العناق، من جديد، علينا أن نحلل زواج علاقاتنا، ونحرم هذا الزواج الوهمي.

تحاصرك التكنولوجيا؟

تتذمر؟

لا، أنت من تخون عاطفتك وتتحايل عليها، ابدأ بنفسك

في الحب كنا نتغنى برأسنا المرفوع، واليوم أجهزتنا تجبرنا على الانحناء لها لنتابع سرب الكلمات داخل شاشاتها.

غطيت ذلك اللقاء بغطاء النسيان، لا أذكر منه سوى لون هاتف الشاب النقال، هل كان اللون الفضي أجمل أم كنت صائبة في اختيار الذهبي؟ أذكر أيضا أنه كان في "المصعد" أحد أبناء التكنولوجيا.

إذا كان "أحد الاستخدامات العظيمة للكلمات هي أنها تخفي الأفكار" على حد قول فولتير، فكيف إذا اختفى معها صدى دقات القلب، لهفة العيون، رعشة اللمسات، موسيقى الأنفاس؟

فولتير إذاً على حق: "إن الذين يجعلونك تعتقد بما هومخالف للعقل، قادرون على جعلك ترتكب الفظائع"

لماذا أصبحنا نكبل الحب بأجهزة الهواتف؟

أهذا حقا ما آلت إليه علاقاتنا؟

بالتكنولوجيا تبدأ العلاقات، بالتكنولوجيا تنتهي العلاقات!

بقلم: الكاتبة جلنار