مجموعة Thom Browne خريف وشتاء 2026-2027: يحوّل العرض إلى تأمل أخلاقي

  • تاريخ النشر: منذ 10 ساعات زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
مجموعة Thom Browne ما قبل خريف 2022
مجموعة Thom Browne ما قبل خريف 2023
مجموعة Thom Browne ما قبل خريف 2021 النسائية

في لحظةٍ نادرة تبتعد فيها الموضة عن ضجيج اللحظة التجارية وتدخل مساحة التأمل الفلسفي، قدّم توم براون Thom Browne مجموعته لخريف وشتاء 2026–2027 تحت عنوان "A Study in What It Means to Be a Good Person"، محوّلًا قاعات متحف Legion of Honor في سان فرانسيسكو إلى مسرح وجودي يتقاطع فيه الفن، والأخلاق، والذاكرة، والجسد الإنساني.

سياق العرض: بين السوبر بول ورودان

  1. في مدينة تستعد لأحد أكثر الأحداث الرياضية جماهيرية في العالم، اختار براون أن يسير عكس التيار، فبدلًا من الاحتفال بالسرعة والقوة والانتصار، لجأ إلى الصمت، والعمق، والرمزية الثقيلة.
  2. تحت ظلال تمثال "The Three Shades" لأوغست رودان، ذلك العمل الذي يجسّد التردد الإنساني بين الندم والمعرفة والمصير.
  3.  وقف نجوم دوري كرة القدم الأمريكية، مثل ماركوس ألين وجاستن جيفرسون، ليس بوصفهم أبطالًا رياضيين، بل كأجساد بشرية محمّلة بالمسؤولية، والتاريخ، والضغط الأخلاقي.

في هذا التباين الصارخ بين عالم الرياضة الاستعراضي وعالم الفن التأملي، تتجلى عبقرية براون في استخدام الموضة كوسيط فلسفي: فالملابس هنا ليست زينة، بل سجلّ حياة، وإعلان موقف، وسؤال مفتوح حول معنى النجاح والفضيلة.

العمارة كإطار سردي: المتحف كمنهج

  1. استغل براون العمارة الكلاسيكية الجديدة لمتحف Legion of Honor ليؤطر عرضه ضمن ما يشبه دورة تدريبية متقدمة أطلق عليها ضمنيًا "Thom Browne 101"، ليس باعتبارها عودة إلى الأساسيات، بل كمرحلة متقدمة في تطور لغته البصرية.
  2. لم يكن العرض خطيًا، بل أقرب إلى محاضرة فلسفية متعددة الفصول، حيث تحرّكت العارضات والعارضون داخل الفضاء المعماري كما لو كانوا أفكارًا تتجسد، لا أجسادًا تمشي.

وهنا، بدا واضحًا أن براون لم يعد يعمل بمنطق المواسم التقليدية، بل بمنطق التطور المستمر، حيث تتراكم الأفكار بدل أن تُستبدل.

الخياطة كهوية: تفكيك الزي الرسمي

لطالما ارتبط اسم توم براون بالسترة الرمادية الفضفاضة، لكن في هذه المجموعة، لم تعد تلك القطعة مجرد توقيع بصري، بل تحوّلت إلى لغة كاملة تُعاد صياغتها باستمرار.

الصور الظلية والنسب

ظهرت السترات بقصّات دقيقة لكنها متحررة، منسقة مع:

  • سراويل برمودا مصممة بعناية.
  • تنانير اسكتلندية أعادت تعريف الذكورة.
  • سراويل قصيرة أعادت طرح سؤال "الملاءمة" خارج الأعراف.

هذا التفكيك المتعمد للزي الرسمي لم يكن استعراضًا شكليًا، بل انعكاسًا لفكرة أخلاقية أعمق: هل الصلاح الإنساني يكمن في الالتزام بالقواعد، أم في إعادة التفكير فيها؟

التعاونات التقنية: عندما تلتقي الصرامة بالوظيفية

في خطوة تؤكد رؤية براون "غير الموسمية"، جاءت التعاونات التقنية جزءًا لا يتجزأ من السرد، لا إضافات تسويقية.

أُعيد تصميم الحذاء الرياضي الشهير ليحمل قواعد براون الجمالية:

  • خطوط نظيفة.
  • ألوان محايدة.
  • إحساس بالانضباط البصري.

سماعات الرأس ذات الخطوط الخمسة

تحوّلت السماعات إلى إكسسوار مفاهيمي يربط بين العزلة السمعية والتأمل الداخلي، وكأن براون يقول إن الانسحاب من الضوضاء شرط لفهم الذات.

براعة المشغل: عندما تصبح التقنية لغة شعرية

إذا كانت الخياطة هي عقل براون، فإن المشغل هو قلبه النابض، وقد بلغت الحرفية في هذه المجموعة مستوىً استثنائيًا من التعقيد والابتكار.

الفستان الكحلي الهجين

من أكثر القطع إثارة للإعجاب:

  • لم تُضاف طبقات سترة الكريكيت فوق الفستان.
  • بل طُرزت داخل القماش نفسه عند الحواف.
  • طمسٌ متعمّد للحدود بين المحبوك والسهرة.

الجلد كنسيج

في معطف جلدي منسوج ليحاكي نقشة Prince of Wales check، بدا الجلد وكأنه قماش حي، مرن، يتنفس، في تحدٍ مباشر لتوقعات المادة.

التطريز كسرد بصري

لم يكن التطريز عنصرًا زخرفيًا، بل وسيلة لسرد القصص.

إطلالة جيسيكا ستام حملت:

  • مشهدًا شتويًا دقيقًا لجزيرة نانتوكيت.
  • إشارة سينمائية إلى فيلم Jaws.
  • حضور شخصية “هيكتور”، تميمة الدار.

كل ذلك نُفذ بدقة تشبه النسيج الفني المتحفي، مؤكدة أن الذاكرة، الفردية والجمعية، هي مادة تصميم بحد ذاتها.

الذروة: عندما تتحرر الموضة من المنفعة

في الإطلالات الختامية، تخلى براون عن أي ادعاء وظيفي، وسمح للحرفية بأن تتكلم بحرية مطلقة.

  • معطف جلدي طويل مُعاد تخيله كـPerfecto أنيق.
  • معاطف وعباءات من التول.
  • آلاف التطريزات اليدوية التي بدت كأنها تسبح في الهواء.

كانت هذه القطع بمثابة إعلان واضح: الموضة الراقية لا تحتاج دائمًا إلى تبرير عملي، يكفي أن تكون صادقة.

قرار إبداعي ضد التيار

  • من منظور صناعي، كان تقديم عرض بهذا العمق الفلسفي وسط الزخم التجاري للسوبر بول مخاطرة محسوبة.
  • لكنها مخاطرة تُثبت أن توم براون لا ينافس على "الترند"، بل على المعنى.

إشراك نجوم NFL داخل هذا الإطار الصارم أعاد إنسانيتهم إلى الواجهة، وحررهم من صورة البطل الخارق، ليصبحوا أشخاصًا، وهذا بحد ذاته فعل سياسي ناعم.

الجسد كمساحة أخلاقية: إعادة تعريف الذكورة والسلطة

  1. أحد أكثر الجوانب اللافتة في مجموعة توم براون لخريف وشتاء 2026–2027 هو الطريقة التي عالج بها الجسد الذكوري ليس بوصفه أداة قوة أو عرضًا للهيمنة، بل كمساحة أخلاقية قابلة للشك والتأمل.
  2. فاختيار السراويل القصيرة، والتنورات الاسكتلندية، والنسب المبالغ فيها لم يكن مجرد تمرين على كسر القوالب الجندرية، بل محاولة واعية لإعادة صياغة صورة الرجل المعاصر: رجل يتحمل المسؤولية دون أن يتخفى خلف صلابة زائفة.

الموضة كمسار حياة

مع مغادرة العارضة الأخيرة، كان واضحًا أن براون لم يقدّم مجموعة موسمية، بل فصلًا جديدًا في مسيرته الإبداعية، تمامًا كراوي الكوميديا الإلهية، لا يبحث المصمم عن نهاية، بل عن استمرار الرحلة.