مجموعة رامي العلي هوت كوتور ربيع وصيف 2026: حين تتحول الكسور إلى لغة جمال

  • تاريخ النشر: منذ 5 ساعات زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
مجموعة رامي العلي هوت كوتور ربيع وصيف 2021
مجموعة رامي العلي هوت كوتور ربيع وصيف 2022
فساتين رامي العلي هوت كوتور ربيع وصيف 2013

في عالم الأزياء الراقية، حيث تُقاس القيمة بالدقة، والوقت، والقدرة على خلق معنى يتجاوز الشكل، جاءت مجموعة رامي العلي لربيع وصيف 2026 كعمل تأملي نادر، لا يسعى إلى الإبهار الصاخب بقدر ما يدعو إلى الإصغاء. حملت المجموعة عنوان "شظايا في تناغم"، وهو عنوان لم يكن مجازًا شعريًا فحسب، بل مفتاحًا فكريًا وجماليًا لفهم رؤية المصمم في هذه المرحلة الناضجة من مسيرته.

استند رامي العلي في هذه المجموعة إلى فلسفة المتصوف الفارسي جلال الدين الرومي، حيث لا يُنظر إلى التمزق كحالة نقصان، بل كمساحة ولادة، فالكسر، وفق هذا المنظور، ليس نهاية، بل بداية لشكل جديد من الاكتمال، هذه الفكرة الفلسفية انعكست بوضوح على كل تفصيلة في العرض، من الخطوط، إلى الأقمشة، إلى التطريز، وحتى الموسيقى المصاحبة.

الأزياء الراقية كفعل تأملي

  1. منذ اللحظة الأولى، بدا العرض وكأنه طقس بصري بطيء الإيقاع، بعيد عن الاستعراض التقليدي.
  2. تحركت العارضات بانسيابية أقرب إلى التنفس منها إلى المشي، وكأن كل خطوة محسوبة لتمنح المشاهد فرصة التوقف، لا الاستهلاك السريع للصورة.
  3. اعتمدت التصاميم على خطوط طويلة ممتدة، بدت أحيانًا وكأنها تتفكك بصريًا قبل أن تعود لتتجمع، في حركة تشبه المدّ والجزر، هذا التفكك المقصود لم يكن فوضويًا، بل مدروسًا بعناية، حيث يتقاطع البناء الصارم مع نعومة الحركة، وتتحول القطعة الواحدة إلى مساحة حوار بين الصلابة والهشاشة.

الأزياء لم تكن تفرض نفسها على الجسد، بل كانت تتحاور معه، بدت وكأنها تتنفس مع العارضة، تنسحب وتعود، تلتصق ثم تنفصل، في إيقاع يرسخ فكرة أن الهوت كوتور كائن حيّ، لا قالبًا جامدًا.

التفكك كجمال… لا كخلل

  1. التمزق كان جوهر الفكرة، لكن العلي قدّمه بمنتهى الرقي. لم تكن هناك قطع ممزقة حرفيًا، بل إحساس بصري بالتجزئة، طبقات غير مكتملة، أطراف شفافة، خطوط تنتهي قبل أن تكتمل، وزخارف تبدو وكأنها أُعيد تجميعها بعد انكسار.
  2. هذا الأسلوب خلق حالة من التوتر الهادئ داخل كل إطلالة، حيث يشعر المتلقي بأن هناك قصة غير مكتملة، لكنها مكتفية بذاتها، في هذا السياق، يصبح الكمال مفهومًا متحركًا، لا حالة نهائية.

بين العمارة والخفة

  1. بصريًا، لعبت المجموعة على تباينات دقيقة. الخطوط المعمارية الواضحة، التي لطالما تميز بها رامي العلي، حضرت بقوة، لكن تم تليينها بطبقات من الأورجانزا، التول، والدانتيل، هذا التناقض بين البناء والشفافية خلق عمقًا بصريًا غنيًا، حيث لا تطغى البنية على الحركة، ولا تذوب الخفة في الفراغ.
  2. بعض الفساتين بدت وكأنها معلّقة في الهواء، بينما حملت أخرى ثقلًا بصريًا ناعمًا، نابعًا من كثافة الطبقات لا من وزنها الحقيقي. هذا التوازن الدقيق هو ما يمنح المجموعة طابعها التأملي، ويجعلها أقرب إلى تجربة حسية متكاملة.

التطريز: حين تصبح الحرفة سردًا

  1. في "شظايا في تناغم"، لم يكن التطريز عنصرًا زخرفيًا فحسب، بل لغة قائمة بذاتها، استوحى رامي العلي تطريزاته من الزجاج المكسور، لكن دون حدّته المعتادة. جاءت الأشكال متكسرة، غير مكتملة، وكأنها أجزاء فسيفساء أعيد ترتيبها بعناية.
  2. استخدم المصمم خيوطًا معدنية، وخرزًا دقيقًا، وكريستالات صغيرة تعكس الضوء بهدوء، دون بريق صاخب، هذا الاختيار عزز الجو التأملي للمجموعة، حيث يلمع الضوء كوميض داخلي لا كواجهة استعراضية.
  3. ومن اللافت أن الخياطات بقيت ظاهرة في عدد من القطع، في قرار جمالي جريء يعيد الاعتبار لعملية التصنيع نفسها، هنا، لا يُخفى الجهد اليدوي، بل يُعرض كجزء من القصة، كتذكير بأن الإصلاح، والتجميع، واللمسة الإنسانية هي جوهر الأزياء الراقية.

لوحة ألوان تستيقظ ببطء

  1. لم تكشف الألوان عن نفسها دفعة واحدة، بل بدت وكأنها تستيقظ تدريجيًا، بدأت المجموعة بدرجات هادئة من العاجي، المرمر، والوردي الفاتح، ألوان توحي بالصفاء والبداية.
  2. ثم، ومع تطور العرض، ظهرت درجات أكثر دفئًا وعمقًا: الوردي المغبر، البيج الدافئ، الأخضر الزيتوني، والأزرق الناعم، تخللتها لمحات مدروسة من الذهبي، اللؤلؤي، الشمبانيا، والبنفسجي الفاتح، التي التقطت الضوء دون أن تكسره.
  3. هذه اللوحة اللونية عززت فكرة الانسجام، حيث لا يوجد لون يصرخ أو يفرض نفسه، بل كل درجة تخدم الحالة العامة، وتضيف طبقة جديدة من العمق العاطفي.

الموسيقى: امتداد غير مرئي للتصميم

  1. العرض لم يكن بصريًا فقط، بل سمعيًا أيضًا، الموسيقى التصويرية الأصلية التي ألفها الملحن الفارسي شورا كريمي، والمبنية على أبيات من المثنوي لجلال الدين الرومي، لعبت دورًا محوريًا في تشكيل التجربة.
  2. الآلات الموسيقية الحية، والأصوات البشرية، خلقت فضاءً حسيًا تتداخل فيه الأصوات مع حركة الأقمشة، وكأن كل فستان يتحرك على إيقاع داخلي خاص به. هذا التلاحم بين الصوت والحركة عزز من الطابع الروحي للمجموعة، وجعل العرض أقرب إلى طقس تأملي منه إلى عرض أزياء تقليدي.

بين الفكرة والقطعة

  1. رغم العمق الفلسفي الذي تحمله المجموعة، كان هناك خطر حقيقي بأن يطغى السرد الرمزي على الملابس نفسها، في بعض اللحظات، بدت الفكرة كثيفة إلى حد قد يُضعف الأثر المباشر لبعض القطع.
  2. إلا أن قوة رامي العلي تكمن في تحكمه العالي في التناسب، الطبقات، والتطريز، ما ضمن ألا تختفي الأزياء خلف الفكرة، فكل قطعة، رغم رمزيتها، ظلت قابلة للقراءة كفستان راقٍ، يمكن أن يعيش خارج سياق العرض.

الأنوثة كحالة إنسانية

  1. الأنوثة في هذه المجموعة لم تكن رومانسية تقليدية، ولا قوة صارخة. كانت أنوثة هادئة، واعية، تقبل الهشاشة كجزء من الكينونة، وترى في إعادة البناء فعلًا من أفعال الجمال.
  2. لم يسعَ رامي العلي إلى تقديم صورة واحدة للمرأة، بل حالات متعددة: امرأة تتأمل، امرأة تُصلح، امرأة تقف بين ما كان وما سيكون. هذه التعددية منحت المجموعة عمقًا إنسانيًا نادرًا في عالم الهوت كوتور.

بيان هادئ… لكنه قوي

  1. في زمن تميل فيه العروض إلى المبالغة، جاءت مجموعة شظايا في تناغم كبيان مختلف، لم ترفع صوتها، لكنها تركت أثرًا طويل الأمد، هي مجموعة لا تُستهلك في صورة واحدة، بل تحتاج إلى وقت، وتأمل، وإعادة نظر.
  2. أكد رامي العلي من خلالها مكانته كمصمم لا يكتفي بإتقان الشكل، بل يسعى إلى بناء معنى. مصمم يرى في الأزياء الراقية مساحة للتفكير، لا مجرد منصة للعرض.

جمال يولد من الكسر

  1. في نهاية العرض، لم يكن الشعور السائد هو الإعجاب فقط، بل السكون. ذلك السكون الذي يلي تجربة عاطفية عميقة "شظايا في تناغم" ليست مجرد مجموعة أزياء راقية، بل دعوة للنظر إلى الجمال من زاوية مختلفة: جمال لا يخجل من كسوره، ولا يسعى إلى إخفائها، بل يعيد ترتيبها في شكل جديد من الانسجام.
  2. بهذه المجموعة، يثبت رامي العلي أن الهوت كوتور لا يزال قادرًا على حمل الشعر، والفلسفة، والإنسانية، في زمن السرعة، وأن الأناقة الحقيقية، كما الكمال، ليست في الاكتمال… بل في القدرة على إعادة التكوين.