الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفرعونية

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019
الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفرعونية
مقالات ذات صلة
ياسمين صبري
مفاجأة لعشاق مسلسل فريندز: حلقة خاصة في 27 مايو بمشاركة 15 نجما عالميا
عبير عيسى

شهد المجتمع المصري القديم على ما يبدو ثورة أو انتفاضة اجتماعية عنيفة في أواخر عصر الدولة القديمة وبداية عصر الاضمحلال الأول في القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد (بين نهاية الأسرة السادسة وبداية السابعة).

حيث كانت هذه الثورة نتيجة مباشرة للأوضاع المتردية التي سادت خلال فترة حكم الأسرة السادسة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو حتَّى الديني، وتحديداً في عهد الملك بيبي الثاني الذي حكم مصر أكثر من تسعين سنة.

كما استمرت الدولة بالانحدار حتى نهاية حكم الأسرة العاشرة وانتقال مصر الفرعونية من فترة الاضمحلال الأول إلى فترة الدولة الوسطى مع تأسيس الأسرة الحادية عشرة في طيبة، ثم تولي الأسرة الثانية عشرة التي تعتبر من ألمع الأسر المصرية.

لكن ما هي طبيعة هذه الانتفاضة وما هي أبرز أحداثها؟ وكيف انعكست على وعي الشعب المصري ومستقبله؟ هذا ما سنحاول أن نتحدث عنه.

إشارات لا بد منها قبل الحديث عن الثورة الاجتماعية الأولى في مصر القديمة

  1. لا يمكن تحديد تاريخ دقيق لاندلاع الثورة الاجتماعية في مصر القديمة، كما أنَّها لم تنتهي في وقت محدد إنما انطفأت بتبدل الأسر الحاكمة، لكن الأغلب أنَّها لم تكن السبب المباشر في أي تغيير بالحكم.
  2. تعتبر حقبة الأسرات من الأسرة السابعة حتَّى العاشرة من أكثر مراحل التاريخ المصري القديم غموضاً حتَّى الآن، ربما يكون ذلك نتيجة تفكك الدولة في هذه المرحلة، فضلاً عن تدمير الأهرامات والمعابد على يد العامة الثائرين ونهب كنوزها من قبل اللصوص، كما أن الوضع الاقتصادي السيء منع أغلب حكام هذه المرحلة من تشييد أهرامات خاصة بهم؛ ما جعل مهمة تتبع تلك الفترة أصعب بالنسبة للمؤرخين والباحثين.
  3.  هناك بعض المصادر التي وضعت الثورة الاجتماعية ضمن مرحلة الدولة القديمة ونهاية حكم الأسرة السادسة على غرار ما فعله الدكتور أحمد فخري في كتابه (مصر الفرعونية)؛ الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2012، حيث وضع الثورة الاجتماعية كفقرة مستقلة في نهاية الفصل الذي يتحدث عن الدولة القديمة من الأسرة الثالثة حتَّى الأسرة السادسة.
  4. فيما عمدت بعض المصادر إلى اعتبار الثورة الاجتماعية تنتمي إلى مرحلة بداية الاضمحلال الأولى التي تزامنت مع انتهاء حكم الأسرة السادسة وبداية حكم الأسرة السابعة، مع الإشارة إلى أنَّها بدأت في عهد الملك بيبي الثاني آخر الملوك الفعليين من الأسرة السادسة، هذا ما فعله كل من الدكتور محمد جمال الدين مختار في (موسوعة تاريخ مصر عبر العصور-تاريخ مصر القديمة)، والدكتور سمير أديب في كتابه (تاريخ وحضارة مصر القديمة) وآخرون.
  5. يتم إطلاق مصطلح "ثورة اجتماعية" على هذه المرحلة على الرغم من معارضة البعض لهذا المصطلح باعتبار أن هذه الأحداث لم تؤدِ إلى تغيير مباشر بشكل الحكم ولم تعدو من وجهة نظرهم كونها أعمال شغب، لكنها تستحق هذه التسمية من وجهة نظر أخرى باعتبارها غيرت في وعي الإنسان المصري وطريقة تعامله مع السلطة السياسية والدينية.
  6. إن الانعكاس الأبرز لهذه الثورة كان في مجال الأدب، لذلك نجد أن المصادر التاريخية المتعلقة بالثورة المصرية الأولى -حتَّى الآن- أغلبها قطع أدبية أو تكاد تكون كلها.

أبرز مراجع الثورة الاجتماعية الأولى في مصر

استطاع الباحثون تحديد ملامح هذه الانتفاضة من خلال تحليل بعض النصوص التاريخية التي أشارت إلى ثورة اجتماعية مصرية طالت قدسية الحاكم والآلهة رافقتها فوضى عارمة في المملكة، كما اعتمد المؤرخون على نصوص أدبية أشارت إلى مجريات هذه الثورة أو أحداث هذه الفترة غير المألوفة، وعكست هذه النصوص نهضة أدبية في تلك الفترة.

تميز الأدب في هذه المرحلة بالواقعية التي تهدف إلى تسجيل أحوال البلاد ومواجهة الوضع السيء الذي تعاني منه مصر في ظل الحكم الفاشل والضعيف، كما بدا واضحاً من خلال هذه النصوص أن القدسية التي يتمتع بها الفرعون لم تعد كما كانت، حتَّى الطقوس والتعاليم الدينية أصبحت موضع نقاش بين الناس.

أبرز هذه النصوص ما كتبه الحكيم أيبور (ايب أور، وتعني ايب العجوز، وتكتب أحياناً ايبوير)، وهو نص أدبي ذو طبيعة سياسية منسوب إلى رجل اسمه ايب أور؛ يُعتقد أنَّه كتبه في السنوات الأخيرة لحكم الأسرة السادسة في عهد بيبي الثاني أو أحد خلفائه.

إضافة إلى بردية نفر تي من عصر الأسرة الثانية عشرة لكنها تتحدث عن عصر الثورة، كذلك أغنية عازف القيثارة التي توضح لنا تبدلاً في طريقة تفكير المصري تلك الأيام، أيضاً قصة القروي الفصيح، وسنتوقف مع مضمون هذه النصوص بالتفصيل الممكن لاحقاً.

أسباب الثورة الاجتماعية الأولى في مصر القديمة

نشأت الدولة المصرية باتحاد مملكتي مصر العليا والدنيا في عهد الملك مينا في القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد، وقد مرَّت المملكة المتحدة بامتحانات عدَّة لكنها سرعان ما استطاعت تجاوزها، لنرى مرحلة من الرفاه والازدهار خاصة في عصر الأسرة المصرية الرابعة (2613 وحتَّى 2498)، يكفينا أنَّ الأهرامات الثلاثة الكبرى في الجيزة بنيت خلال هذه الفترة لنتعرف على مدى استقرار وازدهار مصر في هذا العصر.

لكن الأمر لم يستتب للحكام اللاحقين كما كان الحال مع أسلافهم، حيث بدأت الدولة بطور من الضعف خلال فترة حكم الأسرة السادسة خاصة الملك بيبي الثاني الذي حكم تسعين عاماً، وخلفه على العرش ملك وملكة لم تتجاوز فترة حكمهم ثلاث أو أربع سنوات قبل أن ينتقل الحكم إلى الأسرة السابعة.

وبما أنَّه من المرجح أن الثورة بلغت أوجَّها في نهاية عهد الملك بيبي الثاني؛ يمكننا توقع الظروف التي سادت البلاد وأدت للثورة، كما يمكننا مقارنة توقعاتنا هذه مع ما جاءت به النصوص التاريخية التي كتبت في تلك الفترة أو تحدثت عنها.

الأسباب الاقتصادية للثورة المصرية الأولى

  • يشير الدكتور سمير أديب في المرجع المذكور سابقاً إلى أن بناء الأهرامات والمعابد الضخمة حمَّل كاهل الدولة المصرية أعباءً كبيرةً، بالتالي عانى المصريون ضائقة مالية توسعت حتَّى بلغت ذروتها ولعبت دوراً رئيسياً في انتفاضة الشعب.
  • يبدو أيضاً أن مصر كانت تعاني من مشاكل خطيرة في تجارتها مع الدول الأخرى، ما قلص من موارد الخزانة.
  • ربما لعبت الهبات والمبالغ المرصودة للمقابر والمعابد دوراً مهماً أيضاً في سوء الأوضاع الاقتصادية، وهذا ما قد يفسر نقمة الثائرين على المقابر.

الأسباب السياسية للثورة المصرية الأولى

لم تكن الدولة المصرية في هذه المرحلة قوية بما يكفي لتعيد بناء هيكلها الإداري المتهالك؛ ما أدى إلى تغلب أطماع حكام الأقاليم ورغبتهم إما بالاستقلال عن الدولة أو بالوصول إلى عرش المملكة، ولا يمكن أن نجزم إن كانت الفوضى الشعبية قد سبقت معارك حكام الأقاليم مع الدولة المركزية أم نتجت عنها، إلَّا أن هذا التفتت في وحدة مصر السياسية ساهم بتردي الأوضاع بشكل كبير.

الأسباب الاجتماعية للثورة المصرية الأولى

إلى جانب التوتر السياسي والوضع الاقتصادي السيء أشعلت الظروف الاجتماعية فتيل ما يمكن تسميته ثورة طبقية أعلنها الفقراء بمواجهة الأغنياء، وهذا ما يمكن تتبعه بوضوح شديد في نص ايبور.

كما أنَّ تطوراً واضحاً في النظر إلى المعتقدات الدينية بدأ ينشأ مع الثورة أو كان محرضاً ومسبباً لقيامها، فبدأ العامة من الفقراء يستخفون بالمعتقدات السحرية التي تتعلق بالمقابر والموت، وهذا ما دعاهم لنبش القبور واستخراج كنوزها لأنهم فقدوا إيمانهم بقدسيتها مسبقاً.

تحولت الثورة الاجتماعية الأولى في مصر إلى ثورة عنيفة ودموية

كما ذكرنا سابقاً لا يوجد ما يوثق أحداث الثورة الاجتماعية المصرية الأولى بوصفها "ثورة" بمفهومنا الحديث، لكن النصوص التي وردت من تلك المرحلة تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى فوضى عارمة بدَّلت أحوال المملكة من الرغد إلى البؤس، كما يشير نص ايبور صراحةً إلى تعاسة الأغنياء وتبدل أحوالهم (انظر كيف أصبحت نساء الأشراف متسولات!)، وسعادة الفقراء وتبدل أحوالهم أيضاً بعد السلب والنهب.

انتشرت إذاً العصابات في البلاد، وهاجم الناس المراكز الحكومية والمخازن ونهبوا محتوياتها وخربوها، كما انتقموا من الملوك في مقابرهم فهاجموها ونهبوا محتوياتها، واستهدف العنف الأغنياء بشكل أساسي، فقام الفقراء بحرق القصور ونهبها، ومن الواضح أن الفقراء أخذوا مقتنيات الأغنياء الثمينة "فأصبحت الفتاة التي كانت تذهب إلى الماء لترى وجهها تمتلك مرآة!".

انعكست هذه الحالة المزرية على الأمن القومي للمملكة، فتعرضت مصر لتهديدات خطيرة من غزوات البدو الشرقيين والليبيين، إضافة إلى تهديد وحدتها السياسية مع قوة نفوذ حكام الأقاليم على حساب الدولة المركزية، فضلاً عن انهيار التجارة الخارجية، بل وانحدار أغلب جوانب الانتاج الصناعي والعمراني والفني المصري أيضاً.

يلخص أحمد فخري في كتابه (مصر الفرعونية) أحداث الثورة الاجتماعية الأولى في مصر كالآتي:

"إذن لقد انتقم الشعب، وثار الفلاح الصابر المطيع عندما وجد الظلم قد ازداد، وأن الأغنياء قد سلبوه كل شيء، ثار ثورته الجامحة فلم يبقي على شيء ولم يفرق وهو في ثورته بين معبدٍ لإله أو ديوانٍ للحكومة، أو قصرٍ لغني، أو مخزنٍ للدولة، أو قبر دفنوا فيه حلياً مع صاحبه...".

والأغلب أن هذه الأحداث بلغت ذروتها في نهاية فترة حكم الملك بيبي الثاني من الأسرة السادسة أو في عصر خلفائه الضعفاء، والأرجح أيضاً أن الثورة استمرت في عهد الأسرتين السابعة والثامنة وإن لم تكن بنفس القوة، ربما يفسر هذا قسوة مؤسس الأسرة التاسعة الملك خيتي الأول، حيث يذكر لنا المؤرخ المصري مانيتون أن الملك خيتي الأول كان قاسياً ومخبولاً.

نتائج الثورة الاجتماعية في مصر القديمة

من الواضح أن الثورة لم تكن هادفة ولم تكن ذات مطالب، إنما كانت انتفاضة احتجاجية عنيفة لجأت لانتزاع الحقوق بالقوة؛ في فترة ضعفت فيها هيمنة الدولة وانهارت قداستها وتضاعفت فيها مأساة الفقراء والمساكين، لكن هذه الثورة كانت حجراً كبيراً ألقاه المصريون في المياه الراكدة، فهي باتفاق معظم الباحثين الثورة الأولى التي يقوم بها المجتمع الإنساني بمواجهة الظلم والبؤس الاجتماعي.

من جهة ثانية بدأ المصريون بوضع تصور أولي للديموقراطية في تلك المرحلة، لمَّا تكن طبعاً كالديموقراطية التي نعرفها الآن، لكنهم بدأوا يطالبون بتحقيق العدالة الاجتماعية، كما حصلوا على ما يمكن أن نسميه "الديموقراطية الدينية" حيث سمح للعامة لأول مرَّة أن يستخدموا النصوص الدينية التي كانت حكراً على الملوك والكهنة.

تشكل بردية الحكيم ايبور واحدة من أبرز الشواهد على أحداث الثورة الاجتماعية الأولى في مصر القديمة

تعود بردية ايبور - كما ذكرنا - إلى نهاية عهد الملك بيبي الثاني أو أحد خلفائه الضعفاء من آخر ملوك الأسرة السادسة، هذا يعني أنَّها تعود إلى فترة بداية عصر الاضمحلال الأول، وتعرف هذه البردية باسم رسالة ايبور أو معاتبة ايبور، حيث تتضمن وصفاً لأحوال مصر في تلك الفترة ومعاتبةً للحاكم على عجزه لكن دون ذكر اسمه.

وعلى الرغم من محتوى الرسالة السياسي إلَّا أنَّها عبرت عن تطور أدبي مميز، كما تعتبر من أهم المخطوطات التي توثق لنا أحداث الانتفاضة الشعبية الأولى في مصر القديمة وربما في العالم كله.

وبردية ايبور هذه محفوظة بمتحف ليدن في هولندا؛ علماً أن النسخة الموجودة تعود إلى عهد الأسرة العشرين عن الأصل المكتوب في عهد الأسرة السادسة.

ومما جاء في عتاب الملك وتحذيره من بطانته الفاسدة قول ايبور:

"إن أصدقاءك قد كذبوا عليك

الناس تعمل والناس على شفا الهلاك

هذه السنوات سنوات حرب وبلاء

(...)

لديك الحكمة والبصيرة والعدالة

ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد

الحقيقة أنك أوصلت البلاد إلى هذا الدمار

والحقيقة أن تتفوه كذباً.."

كما يصف ايبور الحالة السيئة التي وصلت إليها البلاد إضافة إلى المشاكل الطبقية؛ فيقول:

"ما هذا الذي حصل في مصر؟

إن النيل ما يزال يأتي بفيضانه

وليس يقوم هناك من يقوم بحرث حقله!

لماذا أصبح الفقراء حقاً يمتلكون الكنوز؟

إن من كان لا يملك نعلاً أصبح الآن من الأثرياء

لماذا أصبح الموتى يدفنون في النهر؟ إن النهر أصبح جبّانة وجعل الناس منه مكاناً للتحنيط

(...)

لماذا حقاً ضُرب بقوانين البلاد عرض الحائط؟

وأخذ الناس يطؤونها بأقدامهم

انظر كيف أصبحت نساء الأشراف متسولات!

ومن لم يمتلك خرقة ينام عليها أصبح هو اليوم صاحب السرير."

أمَّا عن وصف أحداث الثورة يقول ايبور:

انظر ... القلوب عنيفة والشقاء يعم البلاد بأسرها

والدماء في كل مكان والموت لا ينحسر

(...)

انظر... الأغنياء ينتحبون والمعوزون في فرح

وكل المدينة تقول دعونا نطرد الأقوياء من جدارنا

مصر الحزينة في عصر الثورة الأولى

انظر... لقد اختفت البسمة، فلا أحد يبتسم

إن الشكوى تعم البلاد مختلطة بالنحيب

حقاً فقد أصبح كل من العظيم والفقير يقول:

ليتني كنتُ ميتاً

والأطفال الصغار يقولون: كان يجب عليه ألّا يجعلنا على قيد الحياة!.

بردية الرجل اليائس من الحياة وأغنية العازف على الجنك

تعود بردية الرجل اليائس من الحياة أو الرجل الذي يناجي نفسه إلى عصر الأسرة المصرية السابعة، وهي محفوظة الآن في متحف برلين، تتضمن هذه الوثيقة مناجاةً دوَّنها رجل يفكر في إنهاء حياته، لكنه في هذا المناجاة يعكس طبيعة العصر الذي يعيش فيه، ويبين لنا انعدام الأمن وانتشار الشر بين الناس، بما يتفق مع مضمون بردية ايبور، يقول الرجل اليائس من الحياة:

لمن أشتكي اليوم؟ وقد أصبح الأخوة وضعاء والأصدقاء كارهين!

لمن أشتكي اليوم؟ لقد أصبحت القلوب حاقدة وأصبح الرجل يسرق زميله.

لمن أشتكي اليوم؟ لقد اختفت الرحمة وساد السوء في كل مكان.

لمن أشتكي اليوم؟ لقد أصبح الناس يعشقون الشر وأضحى الخير يداس تحت الأقدام!.

أغنية العازف على الجنك (القيثارة)

تتمتع هذه الأغنية بشهرة كبيرة بين المهتمين بآثار مصر القديمة، فهي من أهم الآثار الدالة على الثورة الاجتماعية التي شهدها عصر الاضمحلال الأول، حيث توضح كلمات الأغنية التشكيك في العقائد الدينية والدعوة إلى الاستمتاع بالحياة، والدعوة إلى إعادة التفكير بقدسية الآلهة والحكام وحقيقة حياتهم بعد الممات، كما توضح الأغنية أن قبور الملوك قد تعرضت للتخريب والدمار:

"لقد سمعتم حكم أميحوتب ودرف رع (ملوك من العصر القديم) التي يرددها الناس في كل مكان!

فأين أمكنتهم الآن؟!.

لقد تهدمت مبانيهم، وتحطمت جدرانها، وأصبحت كأنها لم تكن.

ولم يحضر أحد من هناك فيحدثنا عمَّا أضحوا عليه أو يخبرنا بمصيرهم!

فتمتع ودع قلبك ينسى اليوم الذي ستدفن به

وضع كل الأشجان خلف ظهرك وامضي بسرور حتى يأتي يوم وفاتك

وسر وراء رغبات قلبك ما دمت حياً"

بردية نفر تي حيلة سياسية من عصر الأسرة الثانية عشرة تبين لنا أحوال البلاد في فترة الثورة

على الرغم أن بردية نفرتي (المحفوظة بمتحف سان بطرسبورغ، ليننجراد سابقاً) تنتمي لعصر الدولة الوسيطة وليس إلى عصر الاضمحلال الأول، لكنها تثبت حالة الانقسامات التي شهدتها فترة حكم الأسر من السابعة حتَّى العاشرة.

بردية نفرتي برأي أحمد فخري مؤلف كتاب مصر الفرعونية هي مجرد "دعاية سياسية"، يحاول الكاتب من خلالها إقناع الناس أن هناك نبوءة من عصر الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة تشير إلى فوضى ستعم البلاد ستنتهي على يد الملك اميني، والملك اميني هو الملك أمنمحات الأول مؤسس الأسرة الثانية عشرة، أما اسم البردية فهو نسبة إلى نفرتي صاحب النبوءة من عهد الملك سنفرو.

إذن فالقصد من بردية نفر تي هو إقناع الناس أن الملك أمنمحات الأول هو المذكور في النبوءة وهو الذي سينهي (أو أنهى) حالة التوتر والصراع التي عاشتها مصر، وهذا طبعاً لاحق على عودة الاستقرار إلى المملكة وإعادة توحيدها في عصر الأسرة الثانية عشرة.

فضلاً عن معناها العميق تعتبر قصة القروي الفصيح شاهداً على تطور الأدب المصري القديم

قصة الفلاح الفصيح تعد من القطع الأدبية المهمة التي تنقل إلينا روح ذاك العصر بلغة أدبية بليغة، كما توضح لنا المطالب التي قامت من أجلها الانتفاضة الشعبية لكن بلسان الأديب هذه المرة، ويبدو من عمق النص أنَّه كتب في مرحلة كانت الثورة معها قد هدأت نوعاً ما، وبدأت تعبر عن نفسها بطرق مختلفة.

تمت كتابة قصة الفلاح الفصيح في عهد الملك خيتي السادس (خيتي نب كاو رع) من الأسرة العاشرة، أي في نهايات عصر الاضمحلال الأول، وقد تم تدوينها على أربع برديات، ثلاث منها محفوظة في المتحف المصري في برلين والرابعة في المتحف البريطاني، وسنناقش النص بعد أن نعرض مجرى الحكاية.

حكاية الفلاح الفصيح

يروي لنا الكاتب قصة الفلاح "خون انبو" الذي يأتي من النطرون حاملاً بعض البضائع على حميره كالملح والأعشاب، ومتجهاً بها إلى العاصمة إهناسيا، لكن في طريقه إلى هناك طمع أحد الموظفين ببضاعته، وكان هذا الموظف (جحوتي نخت) يعمل لدى واحد من كبار موظفي القصر الملكي اسمه "رنسي" يقوم بإدارة أرضه، فلجأ الموظف إلى حيلة خبيثة ليستولي على الحمير والبضاعة.

قام الموظف بوضع حاجز قماشي وسط الطريق، فلما وصل الفلاح إلى الشريط طلب منه الموظف أن يعبر بعيداً عن الشريط، فنزل الفلاح بحميره إلى جانب الطريق ومشى في حقل المدعو (رنسي)، وهنا بدأت الحيلة.

قال الموظف للفلاح: كيف تجعل من الحقل طريقاً لك ولحميرك؟!.

أجابه الفلاح: إنني لا أقصد إلا طريق الخير، الجسر مرتفع، والطريق الوحيد هو السير في الحقل لأنك سددت طريقنا بقماشك! ألم تسمح لنا بالسير؟.

وبينما كان الفلاح والموظف يتجادلان مال أحد الحمير وأكل قضمة من زرع الحقل، فوجد الموظف في هذا ضالته، وأمر بمصادرة الحمار لتعديه على الممتلكات الخاصة، لكن الفلاح القروي لم يسكت عن ذلك ورفض أن يقوم الموظف بسرقته، فتطور النقاش بينهما وانتهى بضرب الفلاح.

شكاوى القروي الفصيح

بعد أن حاول الفلاح جهده باستعادة حماره وبضاعته من الموظف ولم يتمكن من ذلك قرر أن يكتب شكواه إلى صاحب الأرض القاضي رنسي، فأرسل له يشكو الظلم الذي تعرض له في أرضه، لكن رنسي عندما اطَّلع على الشكوى أعجبته فصاحة كاتبها وقوة تعبيره، فعرضها على الملك شخصياً.

الملك أعجبته الرسالة أيضاً، فطلب من القاضي ألَّا يبت بالقضية ليستمر هذا الفلاح بالكتابة إليهم، وهذا ما كان، حيث أرسل القروي الفصيح تسع رسائل هي العبرة الأساسية للقصة، فخلال هذه الرسائل ناقش النظم الاجتماعية وطالب بتحقيق العدالة، وهذا ما سنتوقف عنده أثناء تحليلنا لمحتوى هذه القطعة الأدبية البديعة، أما نهاية القصة فقد حصل الفلاح على حقوقه كاملة، وأخذ من الموظف الظالم أملاكه أيضاً كتعويض عن الأذى.

مقتطفات من قصة القروي الفصيح

في حديث القروي الفصيح عن العدالة والقائمين على تنفيذ العدل، ولا بد أن نتذكر أنَّه يخاطب موظفاً مرموقاً في الدولة، وأنَّ الملك يتقبل هذا الخطاب بصدر رحب، يقول الفلاح الفصيح:

انظر، إنك لرئيس وبيدك الميزان

فإذا اختل هذا الميزان فإنك تختل أيضاً

لسانك هو ذلك اللسان الصغير للميزان

فإذا سترت وجهك عن الظالم، فمن ذا الذي يمكنه أن يرفع العار؟!.

(...)

إذا سقطت أنت فوق بحيرة العدالة، فأبحرت مع هبوب الريح المواتية

وامتلأ شراعك هواءً، فلن تتباطأ سفينتك في سيرها

ولن تصاب ساريتها بعطب، ولن يجرفك التيار لحظة رسوك ولن يسحبك

ولن تعاني من متاعب النهر.

كما يقول القروي الفصيح:

لقد وليت لتقضي بين الناس من خصام وتعاقب المجرم

كن رحيماً محسناً ونقب عن الحقيقة

ولا تكن ظالماً حتى لا تدور عليك الدوائر يوماً

ولا تسلب فقيراً ماله ولا تنهب ضعيفاً تعرفه

إن مال الفقير حياته ومن أخذه فقد خنقه.

تحليل قصة الفلاح الفصيح وعلاقتها بالثورة الاجتماعية الأولى

فيما يشير أغلب الباحثين إلى قيمة وأهمية بردية ايبور بالإفصاح عن ظروف الثورة الاجتماعية الأولى، نعتقد أن قصة الفلاح الفصيح تمثل الوثيقة الأهم للتعبير عن نتائج هذه الثورة على المجتمع المصري وعلى الحكومة أيضاً.

فالثابت أن هذه الثورة لم تأتي لتغيير مباشر في الحكم، ولم تنتج عنها تغيرات معلنة في تنظيم الدولة، لكن يبدو واضحاً أن الوعي الاجتماعي تفتح لدى المصريين بعد أن خاضوا سنيناً طويلة من الفقر والبؤس تلتها احتجاجات دامية، وهذا ما تدل عليه خطبة الفلاح الفصيح.

تشير هذه القصة إلى أن الأديب المصري في تلك الأيام رسم صورة للحاكم العادل لتكون بديلة عن الحاكم الجائر الذي أدى ظلمه إلى نتائج كارثية، كما أنَّ تقبل القاضي والحاكم للشكوى وتعاملهم معها بهذا الأسلوب يكشف لنا مهادنة السلطة للشعب اتقاءً لانتفاضته.

أخيراً... مع نهاية حكم الأسرة العاشرة دخلت مصر طوراً جديداً من تاريخها، فطوى حكام الأسرتين الحادية عشرة والثانية عشرة مرحلة مظلمة من تاريخ مصر، وأعادوا للبلاد وحدتها، كما أعادوا للحكومة قوتها وأنعشوا اقتصاداها، لكن هذه الثورة بقيت راسخة في وجدان المصريين، وربما يمكن القول أنَّها اللبنة الأولى التي بني عليها وعي المصريين اللاحقين.