ثريا قابل: امرأة واجهت الفقد بالشعر وخلدت اسمها في التاريخ

  • تاريخ النشر: منذ 5 ساعات زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
معنى اسم ثريا
لحظات في الموضة لا تُنسى خُلدت في تاريخ عام 2023
من ليال إلى هلي: كيف واجهت فيروز سلسلة الفقد الأقسى في حياتها!

ثريا محمد قابل واحدة من أبرز الأسماء النسائية في تاريخ الأدب السعودي الحديث، ولدت في مدينة جدة عام 1940، ونشأت في واحدة من أعرق الحارات الحجازية، حارة المظلوم، داخل أسرة معروفة بالعلم والثقافة. منذ طفولتها، بدت ميولها واضحة تجاه الكلمة والقراءة، وهو ما شكل ملامح شخصيتها لاحقًا، لتصبح صوتًا مختلفًا في زمن لم يكن من السهل فيه للمرأة أن تعلن حضورها الأدبي والفكري.

فقدت ثريا قابل والدها في سن مبكرة، ما جعلها تعتمد على نفسها مبكرًا، وتتشكل شخصيتها بين الإحساس العالي بالمسؤولية والرغبة في التعبير. هذا الخليط الإنساني انعكس بوضوح على كتاباتها، التي جاءت مشبعة بالعاطفة، ومتصالحة مع الألم، وقادرة على تحويل التجربة الشخصية إلى نص إنساني عام.

ريادة نسائية غير مسبوقة في الشعر السعودي

دخلت ثريا قابل التاريخ الأدبي من أوسع أبوابه عندما أصدرت ديوانها الشعري الأول «الأوزان الباكية» في ستينيات القرن الماضي، لتصبح واحدة من أوائل الشاعرات السعوديات اللاتي ينشرن ديوانًا شعريًا فصيحًا باسمهن الصريح. لم يكن هذا الإنجاز مجرد حدث أدبي، بل خطوة جريئة كسرت حواجز اجتماعية وثقافية كانت تحاصر صوت المرأة في تلك الفترة.

تميّز شعرها بالجمع بين اللغة الرصينة والصدق العاطفي، حيث لم تكن القصيدة لديها مجرد بناء لغوي، بل حالة وجدانية متكاملة. كتبت عن الحب، الفقد، الحنين، والأسئلة الوجودية، بلغة قريبة من القارئ، وعميقة في الوقت ذاته، ما جعلها تحظى باهتمام النقاد والقراء على حد سواء.

لماذا لُقبت بخنساء القرن العشرين؟

لم يأتِ لقب «خنساء القرن العشرين» من فراغ، بل ارتبط بالقوة العاطفية والصدق الإنساني في شعر ثريا قابل. مثلما عبّرت الخنساء في التراث العربي عن الحزن والفقد بصدق موجع، استطاعت ثريا أن تعبّر عن مشاعر المرأة المعاصرة، وهمومها، وأحلامها، وانكساراتها، بلغة شاعرية شفافة.

كان شعرها صوتًا للمرأة التي تعيش بين العاطفة والواقع، بين الرغبة في الحب والاصطدام بالقيود، ولهذا وجدت قصائدها صدى واسعًا لدى القارئات والقراء، وتحولت إلى نصوص قادرة على تجاوز الزمن.

من القصيدة إلى الأغنية.. حضور لامع في الذاكرة الفنية

لم تتوقف إبداعات ثريا قابل عند حدود الشعر المكتوب، بل امتدت بقوة إلى عالم الأغنية، حيث تحولت قصائدها إلى أعمال غنائية خالدة. امتلكت قدرة نادرة على كتابة نص غنائي يحتفظ بعمقه الشعري، وفي الوقت نفسه يصل بسهولة إلى الجمهور.

غنى كلماتها عدد من كبار نجوم الغناء في السعودية والعالم العربي، وارتبط اسمها بأغانٍ لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية حتى اليوم. كانت كلماتها مليئة بالشجن والرقة، وتحمل بصمة حجازية واضحة، ما منح الأغنية طابعًا خاصًا يجمع بين الأصالة والحداثة.

ثنائيات فنية صنعت نجاحًا طويل الأمد

شكّلت ثريا قابل ثنائيات فنية مميزة مع عدد من الملحنين والمطربين، وكان تعاونها مع الأصوات الكبيرة أحد أسباب انتشار أعمالها على نطاق واسع. هذه الشراكات لم تكن قائمة فقط على النجاح التجاري، بل على التفاهم الفني، حيث كانت الكلمة تسبق اللحن، وتحمله بمشاعر صادقة تصل مباشرة إلى المستمع.

نجحت في أن تكون حاضرة في زمن تشكّلت فيه ملامح الأغنية السعودية الحديثة، وأسهمت في ترسيخ مكانة النص الغنائي كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والفنية.

تجربة صحفية جريئة وصوت اجتماعي واعٍ

إلى جانب الشعر والغناء، كان لثريا قابل حضور لافت في المجال الصحفي، حيث كتبت المقالات والخواطر، وتناولت قضايا المجتمع، والمرأة، والثقافة، بأسلوب هادئ لكنه عميق. لم تكن مقالاتها صدامية، لكنها كانت صريحة، تُعبّر عن رأيها بثقة، وتطرح الأسئلة دون خوف.

تولت مناصب تحريرية، وشاركت في صناعة المحتوى الثقافي في الصحافة السعودية، لتصبح واحدة من الأصوات النسائية المؤثرة التي ساهمت في تشكيل الوعي الثقافي في مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع.

جدة في كتاباتها.. المكان بوصفه هوية

ارتبط اسم ثريا قابل بمدينة جدة ارتباطًا وثيقًا، ليس فقط لأنها وُلدت فيها، بل لأنها جعلت منها روحًا حاضرة في كتاباتها. ظهرت جدة في قصائدها كمدينة نابضة بالحياة، مليئة بالتناقضات الإنسانية، وكمكان يحمل الذاكرة والحنين والحكايات.

انعكس الطابع الحجازي في لغتها وصورها الشعرية، ما منح أعمالها خصوصية ثقافية واضحة، وجعلها قريبة من وجدان أهل المنطقة، وفي الوقت نفسه مفهومة ومؤثرة لدى القارئ العربي عمومًا.

المرأة والكتابة.. كسر القيود بهدوء

تُعد تجربة ثريا قابل نموذجًا مهمًا في مسار الكتابة النسائية في السعودية، فهي لم تدخل المشهد الأدبي بالصخب، بل فرضت حضورها بالكلمة والموهبة والاستمرارية. كتبت باسمها الحقيقي، وواجهت التحديات الاجتماعية بثبات، وأثبتت أن الإبداع لا يرتبط بالنوع، بل بالقدرة على التعبير الصادق.

فتحت الطريق أمام أجيال لاحقة من الكاتبات والشاعرات، وأثبتت أن صوت المرأة قادر على أن يكون جزءًا أصيلًا من المشهد الثقافي، لا هامشًا فيه.

إرث أدبي لا يزول برحيل صاحبه

على مدار أكثر من خمسة عقود، تركت ثريا قابل إرثًا أدبيًا وفنيًا غنيًا، لا يزال حاضرًا في الكتب، والأغاني، والدراسات النقدية. أعمالها لم تكن عابرة، بل شكّلت جزءًا من الذاكرة الثقافية السعودية، وأسهمت في تطوير الذائقة الشعرية والغنائية.

يُعاد اليوم قراءة شعرها بوصفه وثيقة أدبية وإنسانية، تعكس مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع، وتكشف عن وعي امرأة سبقت عصرها، وكتبت بصدق، وراكمت تجربة تستحق التقدير.

ثريا قابل.. الكلمة التي بقيت

رحلت ثريا قابل، لكن صوتها لم يرحل. بقي في القصيدة، وفي الأغنية، وفي ذاكرة كل من قرأ لها أو سمع كلماتها. كانت نموذجًا للمرأة المثقفة، الشاعرة، والصحفية، التي آمنت بالكلمة، واستخدمتها وسيلة للتعبير، والتأثير، وترك الأثر.

هي واحدة من الأسماء التي لا تُذكر بوصفها ذكرى، بل بوصفها حضورًا مستمرًا، وتجربة إنسانية وأدبية ستظل حاضرة في تاريخ الأدب السعودي والعربي.