رحيل خنساء القرن العشرين ثريا قابل: إرث أدبي لن يزول

  • تاريخ النشر: منذ 5 ساعات زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
رحيل خنساء القرن العشرين  ثريا قابل: إرث أدبي لن يزول

خيّم الحزن على الأوساط الثقافية والأدبية في السعودية والعالم العربي بعد إعلان وفاة الشاعرة الكبيرة ثريا قابل، التي لُقبت بـخنساء القرن العشرين، تقديرًا لمكانتها الشعرية وتأثيرها الإنساني العميق.

رحلت ثريا قابل بعد مسيرة طويلة من العطاء الأدبي والصحفي، تاركة وراءها إرثًا شعريًا غنيًا ما زال حاضرًا في الوجدان العربي، سواء عبر دواوينها أو من خلال كلمات الأغاني التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية.

من هي ثريا قابل؟

ثريا محمد قابل واحدة من أبرز رائدات الشعر النسائي في السعودية، واسم لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن تطور القصيدة النسائية في النصف الثاني من القرن العشرين. وُلدت في مدينة جدة، ونشأت في بيئة حجازية عريقة عُرفت بالثقافة والانفتاح، الأمر الذي انعكس على أسلوبها الأدبي الذي جمع بين الحس الإنساني والخصوصية المحلية.

منذ بداياتها، كانت ثريا قابل مختلفة في نبرتها، جريئة في طرحها، صادقة في تعبيرها، وهو ما جعلها تحجز مكانًا خاصًا في المشهد الثقافي، ليس فقط كشاعرة، بل كصوت نسائي مثقف استطاع أن يفرض حضوره في زمن لم يكن فيه الطريق ممهّدًا للمرأة في المجال الأدبي.

وفاة الشاعرة السعودية ثريا قابل

النشأة وبدايات التكوين الثقافي

فقدت ثريا قابل والدها في سن مبكرة، وهو ما شكّل أحد الجوانب المؤثرة في شخصيتها الإنسانية والشعرية. تولّت عائلتها رعايتها، ونشأت وسط أجواء تهتم بالعلم والأدب، ما أسهم في صقل موهبتها مبكرًا. لاحقًا، سافرت لاستكمال تعليمها خارج المملكة، حيث انفتحت على مدارس أدبية وثقافية متعددة، انعكست بوضوح في أسلوبها الشعري.

هذا التنوع الثقافي جعل قصيدتها قادرة على مخاطبة القارئ العربي بلغة وجدانية قريبة من القلب، دون أن تفقد عمقها أو قيمتها الفنية.

أول ديوان نسائي سعودي باسمها

شكّل صدور ديوانها الشعري الأول محطة فارقة في تاريخ الأدب السعودي، إذ يُعد أول ديوان شعري فصيح لامرأة سعودية يُنشر باسمها الحقيقي. في وقت كانت فيه كثير من الكاتبات يخفين أسماءهن أو يكتبن بأسماء مستعارة، جاءت ثريا قابل لتكسر هذا الحاجز، معلنة حضورها بجرأة وثقة.

الديوان حظي باهتمام نقدي واسع، وأشاد به عدد من كبار الأدباء في ذلك الوقت، الذين رأوا في نصوصه حسًا إنسانيًا عاليًا وقدرة مميزة على التعبير عن المشاعر بصدق وعمق، وهو ما مهّد لمنحها لاحقًا لقب خنساء القرن العشرين.

لماذا لُقبت بخنساء القرن العشرين؟

لم يكن هذا اللقب مجرد توصيف عابر، بل جاء نتيجة لما تحمله قصائد ثريا قابل من شجن عميق وصدق عاطفي، يشبه في قوته وتأثيره تجربة الخنساء في الشعر العربي القديم. قصيدتها لم تكن ترفًا لغويًا، بل كانت انعكاسًا لتجربة إنسانية حقيقية، تتناول الحب، الفقد، الشوق، والحنين بلغة بسيطة ومؤثرة في آن واحد.

هذا العمق العاطفي، إلى جانب قدرتها على التعبير عن المرأة وهمومها دون افتعال أو صدام، جعلها واحدة من أكثر الشاعرات تأثيرًا في جيلها.

ثريا قابل والأغنية العربية

لم يقتصر حضور ثريا قابل على الدواوين الشعرية، بل امتد بقوة إلى عالم الأغنية العربية، حيث كتبت كلمات عدد من الأغاني التي تحوّلت إلى أعمال خالدة. تعاونت مع كبار الفنانين والملحنين، وكانت كلماتها قادرة على الوصول إلى الجمهور بسهولة، دون أن تفقد قيمتها الشعرية.

تميّزت أغانيها بصدق الإحساس، وبمفردات قريبة من القلب، ما جعلها تُغنّى وتُردد عبر أجيال متعاقبة، وتُثبت أن الشعر الحقيقي قادر على العيش طويلًا عندما يلامس الإنسان بعمق.

حضورها في الصحافة والإعلام

إلى جانب الشعر، كان لثريا قابل حضور لافت في الصحافة، حيث كتبت مقالات وزوايا رأي تناولت فيها قضايا المجتمع والثقافة والمرأة. كما تولّت مناصب تحريرية في عدد من الإصدارات، وأسهمت في تطوير المحتوى الثقافي النسائي، واضعة خبرتها الأدبية في خدمة الصحافة.

كانت كتاباتها الصحفية امتدادًا لشخصيتها الشعرية، صريحة، هادئة، بعيدة عن الصدام، لكنها واضحة في مواقفها، وتدعو دائمًا إلى الوعي والثقافة والانفتاح المسؤول.

سنوات المرض والغياب عن الأضواء

في السنوات الأخيرة من حياتها، ابتعدت ثريا قابل عن الأضواء بسبب متاعب صحية أثّرت على نشاطها اليومي. ورغم ذلك، ظل اسمها حاضرًا في الوسط الثقافي، واستمرت أعمالها تُقرأ وتُستعاد، سواء عبر الدواوين أو الأغاني أو المقالات التي شكّلت جزءًا من تاريخ الصحافة الأدبية في السعودية.

هذا الغياب الجسدي لم ينجح في إبعادها عن الذاكرة الثقافية، بل زاد من تقدير محبيها لقيمتها ومكانتها.

تشييع الجثمان ووداع يليق بالقامة الأدبية

جرت مراسم تشييع جثمان الشاعرة الراحلة في أجواء حزينة، حضرها أفراد العائلة ومحبوها من المثقفين والأدباء، الذين ودّعوها بكلمات مؤثرة، مؤكدين أن رحيلها يمثل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي السعودي والعربي.

ثريا قابل

لم يكن وداعها مجرد جنازة، بل لحظة استحضار لمسيرة امرأة كسرت القيود، وكتبت اسمها بحروف من شعر وصدق.

ردود الفعل في الوسط الثقافي

توالت ردود الفعل الحزينة عقب إعلان الوفاة، حيث عبّر عدد كبير من الأدباء والشعراء عن حزنهم لرحيل قامة أدبية نسائية تركت أثرًا لا يُمحى. وأجمع كثيرون على أن ثريا قابل كانت مدرسة شعرية وإنسانية، وأن تجربتها ستظل مرجعًا مهمًا لكل من يدرس تطور الشعر النسائي في السعودية.

كما أعاد كثيرون نشر مقتطفات من قصائدها وكلمات أغانيها، في محاولة لاستعادة صوتها عبر النص، والتأكيد على أن المبدع الحقيقي لا يرحل بغيابه الجسدي.

إرث أدبي لا يزول

برحيل ثريا قابل، يفقد الأدب العربي واحدة من أهم الأصوات النسائية التي أسهمت في ترسيخ حضور المرأة في المشهد الثقافي. لكن إرثها الشعري والصحفي يظل حاضرًا، يشهد على تجربة إنسانية صادقة، وعلى امرأة آمنت بالكلمة، وجعلت منها رسالة وحياة.

تبقى خنساء القرن العشرين اسمًا محفورًا في الذاكرة الأدبية، وصوتًا سيظل يتردّد كلما قرأنا شعرًا صادقًا كُتب من القلب ووصل إلى القلب.

ليالينا الآن على واتس آب! تابعونا لآخر الأخبار