حوار خاص مع مؤسِّستَي علامة “OKHTEIN”: حين تتحوّل الهوية التراثية إلى فخامة معاصرة

  • تاريخ النشر: منذ 6 أيام زمن القراءة: 9 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
مجموعة Balenciaga لما قبل خريف 2026: إعادة ضبط الفخامة بين الجسد والتراث والحياة المعاصرة
المدفأة... لمسة تراثية بإيقاعٍ معاصرٍ
محمد كمال: البلد من غير تراث ليس له هوية

في مساحةٍ تلتقي فيها الجرأة الإبداعية مع الرؤية الأنثوية المعاصرة، تواصل علامة أختين OKHTEIN رسم مسارٍ خاص في عالم التصميم الفاخر، حيث يتحوّل التراث إلى لغة حداثية تنبض بالتفاصيل الفنية والهوية الثقافية، ومن قلب هذا العالم الممهور بالشغف والحرفية، تفتح آية وموناز، الشقيقتان اللتان أسّستا العلامة صفحات رحلتهما مع ليالينا في حوارٍ يروي بدايات الحلم، والتحديات التي واجهتاها، وكيف استطاعتا تقديم رؤية عربية أصيلة بحسّ عالمي.

في هذا اللقاء، لا نتعرّف فقط إلى قصة نجاح علامة صنعت لنفسها مكانة على الساحة الدولية، بل نقترب أيضًا من الفلسفة الجمالية التي تقف خلف كل قطعة، ومن الطريقة التي تمزج بها أختين بين القوة والأنوثة، الفن والوظيفة، الماضي والمستقبل… لتصبح كل تصاميمها حكاية تُروى بلمسة شخصية وروحٍ مميزة.

حوار: هدير سامي

  • كيف وُلدت فكرة "أختين"؟ هل كانت صدفة بين الأختين أم حلمًا خططتما له منذ الطفولة؟

وُلِدنا ونشأنا في بيت تحيط به أجواء الفن والموضة، ما دفعنا دائمًا إلى الحلم بشيء أكبر من أنفسنا؛ علامة تحمل رسالة حقيقية. بدأت رحلتنا من قلب الحِرفة، حين تعلّمنا على يد حرفيين مصريين حقيقيين، وكنا نتجوّل في ورش خان الخليلي نراقب كيف تُشكَّل قطع النحاس يدويًا. تصفحوا العدد الجديد من مجلة ليالينا.

من هذا العالم استوحينا فكرة إنشاء ورشتنا الخاصة، بدأت صغيرة، لكن برؤية أكبر بكثير من حجمها، منذ اليوم الأول، أردنا إطلاق علامة عربية معاصرة تحمل روح ثقافتنا وتعكس قوة وأناقة وهوية المرأة العربية العصرية.

وتقول موناز: “من أيّام الجامعة، في كل مرة نبدأ فيها شيئًا معًا كان ينجح تلقائيًا. أبدأ أنا العمل وتُكمله آية، أو العكس. لم أكن أنهي لوحة إلا إذا كانت آية تجلس بجانبي، هي بالنسبة لي مصدر إلهامي. منذ طفولتنا، كان بيننا دائمًا هذا الانسجام الإبداعي”.

  • في ظل صعوبة صناعة الأزياء في العالم العربي، ما الذي دفعكما لخوض هذا المجال بكل شغف؟

تحدّيات صناعة الأزياء في العالم العربي دفعتنا إلى دخول هذا المجال بشغف أكبر. رفضنا الابتعاد عن هويتنا، وأردنا تحدّي الصورة النمطية التي تشكّك في قدرة العلامات العربية على الوصول إلى مستوى جودة وإبداع العلامات العالمية.

كان اختيار التركيز على الحقائب خطوة جريئة، لأن هذه الحِرفة معقّدة وتتطلّب دقّة ورؤية واضحة، لكننا رأينا فيها فرصة حقيقية للابتكار، يأتي إلهامنا من الإرث الفني والثقافي الذي ننتمي إليه، ومن طريقة توظيف النحاس والذهب في تصاميم تُكرِّم جذورنا.

ومع الوقت، سعينا إلى المزج بين لمسة عربية واضحة وطابع عالمي في آن واحد، وهو المزيج الذي يشكّل هويتنا. وفي قلب قصتنا تبقى الأخوّة وفكرة الثنائية من خلال قطع تُكمِل بعضها البعض، وهي فلسفة تقود رؤيتنا الإبداعية وتدفع نجاحنا إلى الأمام.

  • تعلّمتما الحرف اليدوية من حرفيين محليين، ما أكثر ما ألهمكما من هذه التجربة؟ وهل هناك ذكرى لا تُنسى من تلك الفترة؟

كان تعلّم الحِرفة على يد حرفيين مصريين تجربة عميقة بالنسبة لنا، لأنها وصلتْنا بإرثنا بطريقة ملموسة وواقعية. مشاهدة الأيدي المحترفة وهي تحوّل خامات مثل النحاس والذهب إلى قطع دقيقة جعلتنا نقدّر مقدار الصبر والدقة والالتزام خلف كل عمل.

من الذكريات العالقة في أذهاننا زيارتنا لورش خان الخليلي، ورؤية أحد الحرفيين وهو يشكّل النحاس يدويًا بمهارة وتركيز لافتين، كان مدهشًا أن نرى كمّ العناية المُنحتة في كل تفصيل صغير. تلك التجربة علّمتنا قيمة الحِرفة والإتقان، وهي دروس ما زالت تُوجّه كل ما نبتكره في “أختين”.

"منذ اليوم الأول.. أردنا إطلاق علامة عربية معاصرة تحمل روح ثقافتنا وتعكس قوة وأناقة وهوية المرأة العربية العصرية"

  • كيف أثّر اختلاف شخصيتيكما، بين هدوء آية وحب مُناز للتفاصيل والزخرفة، على هوية التصميم لدى "أختين"؟

لعب اختلاف شخصيتينا دورًا أساسيًا في تشكيل الهوية التصميمية لـ“أختين”، تميل آية إلى الهدوء والجمالية البسيطة، بينما تحب مُناز التفاصيل البارزة والزخارف، هذا الاختلاف يخلق بيننا توازنًا طبيعيًا في عملية الإبداع، ويجسّد فلسفة العلامة القائمة على الثنائية، عالمان مختلفان يلتقيان ليكمّل كلٌّ منهما الآخر. ولهذا تبدو قطعنا راقية وجريئة في الوقت نفسه، هادئة في خطوطها لكن غنيّة في تفاصيلها، وهو ما يمنح تصاميم “أختين” طابعها المتفرّد والمتوازن وسهولة تمييزها.

  • تُعرف "أختين" بدمج الفن والتاريخ في كل حقيبة، كيف تختاران القصص التي تُلهم كل مجموعة؟

كل تشكيلة في “أختين” تبدأ بحكاية مرتبطة بعمق بإرثنا وثقافتنا. نستمد إلهامنا من طبيعة مصر ومناظرها، من رمال الصحراء، وواحاتها، وحقول الزيتون، وألوان البيئة من حولنا، إضافة إلى ملمس الخامات المحلية. على سبيل المثال، استلهمت تشكيلة “سيوة” روحها من الواحة نفسها، وحاولنا خلالها عكس دفء رمالها، وخضرة نخيلها، والتقاليد الحرفية المتوارثة لدى أهلها.

نبحث دائمًا عن قصص تلامس هويتنا، لنحوّل غنى التاريخ والفن والطبيعة إلى تصاميم عصرية قابلة للارتداء، تحمل معنى حقيقيًا وحرفة دقيقة في كل تفصيل.
  • ما الرسالة التي تحرصان على إيصالها من خلال كل تصميم؟

في كل تصميم، نحرص على أن يكون انعكاسًا واضحًا لثقافتنا وهويتنا. يمثّل التصميم مساحة نُبرز فيها الحرفة التقليدية والخامات والتقنيات التي تميّزنا، ولكن بصياغة تتناسب مع المرأة العصرية والجمهور العالمي.

هدفنا أن يحمل كل تصميم معنى حقيقيًا وأصالة واضحة، فيجمع بين جذورنا الراسخة من جهة، والحس الجمالي المعاصر من جهة أخرى.

  • تتحدثان كثيرًا عن "الثنائية" و"الوحدة" في فلسفة العلامة، كيف تترجم هذه المفاهيم في تصاميمكما اليومية؟

تظهر الثنائية في عملنا من خلال اختلاف شخصيتينا، وهو اختلاف يخلق توازنًا طبيعيًا في تصاميمنا ويؤثر على كل شيء، من لوحات الألوان إلى مستوى التفاصيل في كل قطعة. أما الوحدة فتنطلق من العمل معًا ومشاركة رؤية وقيم مشتركة، وهي ما يوجّه مقاربتنا لكل تصميم وكل مجموعة.

وقد صُمّم عنصر الـRod الأيقوني لدينا ليجسّد هذا المعنى، فهو قطعة معدنية بطرفين متقابلين متصلين بخط واحد، وكأنه يرمز إلينا كشقيقتين لكلٍّ منهما شخصية ورأي مختلف، لكن تربطنا روح واحدة. هذا الرمز يذكّرنا دائمًا بأن تحمل كل قطعة توازنًا بين التباين والانسجام، وأن تعبّر في النهاية عن روح “أختين”.

"رفضنا الابتعاد عن هويتنا، وأردنا تحدّي الصورة النمطية عن قدرة العلامات العربية على المنافسة عالميًا"

  • كيف توازنان بين الفخامة الحرفية والجانب العملي الذي تبحث عنه المرأة العصرية اليوم؟

تحقيق التوازن بين الفخامة الحرفية والعملية العصرية يُعد عنصرًا أساسيًا في كل ما نقوم به. نهتم بالتفاصيل الدقيقة واللمسات التصميمية المميّزة، لكن دائمًا مع التفكير في كيفية حضور هذه القطع في يوم المرأة المعاصرة، من حجم الحقيبة، إلى سهولة استخدامها، إلى قدرتها على مرافقتها من الصباح إلى المساء.

نسعى إلى ابتكار حقائب وإكسسوارات جميلة، متفرّدة، ويمكن ارتداؤها يوميًا. في جوهر الأمر، هو مزج الفن بالوظيفة، بحيث تحافظ تصاميمنا على إحساس الفخامة دون أن تتخلى عن العملية.

  • تعاونتما مع العديد من الأسماء اللامعة ما أكثر تعاون ترك أثرًا فيكما؟ ولماذا؟

واحد من أكثر التعاونات التي تركت أثرًا عميقًا في مسيرتنا كان مع Balmain. صمّمنا صديريّة جريئة مصنوعة من الرِّيزن بملمس متآكل، مع تفاصيل من الألباستر، في حوار مباشر مع مجموعة Renaissance لـ Olivier Rousteing لموسم ربيع/صيف 2023، كان التصميم محاولة واعية لدمج التاريخ بالمعاصرة، إذ أُعيد تخيّل مقبض البانغل النحاسي الأيقوني لدى “أختين” كقطعة تُرتدى حول العنق، وأُضيف إليه بوستيش مصري يبرز التباين الجميل بين القديم والجديد.

كان هذا المشروع واحدًا من أكثر التجارب تحدّيًا لنا، منذ البداية واجهنا سؤالًا أساسيًا: كيف نستخدم الألباستر دون أن تتحمّل العارضة وزنًا لا يُحتمل؟ كنا نعلم أننا نتعامل مع قطعة أقرب إلى عمل نحتي منها إلى قطعة أزياء تقليدية، وأن تجربة تركيب الصديرية على العارضة إمّا أن تنجح تمامًا أو تفشل بالكامل. وبلغ التوتر ذروته قبل العرض في باريس بساعة واحدة فقط، حين اكتشفنا أن الصديريّة قد انكسرت.

ومع ذلك، ورغم كل الصعوبات، كان الشعور برؤية القطعة تعود إلى الحياة، بفضل فريقنا والمصانع المتعاونة، شعورًا مُجزيًا، وتجسيدًا حقيقيًا لروح التحدي ودفع حدود التصميم.

"نؤمن أن التصميم مساحة للتعبير عن الهوية، حيث تلتقي الأصالة بالحس الجمالي المعاصر"

  • ما الذي تبحثان عنه في أي شريك أو تعاون مستقبلي؟ وهل هناك حلم بتعاون معين سواء مع دار أزياء أو فنانة عربية ؟

في أي شراكة أو تعاون مستقبلي، نبحث أولًا عن قيم مشتركة وحوار إبداعي صادق. لا يهمّنا أن نضع شعارين جنبًا إلى جنب بقدر ما يهمّنا بناء حكاية حقيقية يقدّم فيها كل طرف لغته الجمالية، مع قدر كبير من الثقة في رؤية الآخر.

تجذبنا الشراكات التي تفتح أمامنا مجالًا جديدًا للتجربة من دون أن تُبعِدنا عن هوية أختين: الحضور المعدني النحتي، التصاميم القوية، والبعد الشخصي المرتبط بالأخوّة وبالإبداع العربي.

أحلامنا في التعاون تشمل دورًا وعلامات تنظر إلى القطعة كعمل فنّي، مثل Schiaparelli بأسلوبها الجريء والسريالي في الحقائب والتفاصيل المعدنية التي تشبه المجوهرات، أو Rimowa التي ينتمي عالمها إلى السفر والتصميم الهندسي الدقيق، وهو عالم نرى فيه مساحة جميلة لنمنح لغتنا في استخدام النحاس بعدًا جديدًا. كما نحلم بالتعاون مع فنانات عربيات يشاركننا الشغف بالشكل والخامة والسرد البصري، لنخلق معًا قطعًا تولد من لقاء حقيقي بين عالمين.

تتجلّى مكانة آية وموناز كصوتين عربيَّين استطاعتا أن تحملا هوية المنطقة إلى العالم بأسلوبٍ راقٍ ومعبّر، عبر علامةٍ تمزج بين الشغف، والابتكار، والالتزام بالحرفية الرفيعة.

وتبقى تجربة أختين دليلًا على أن التصميم ليس مجرّد منتج جمالي، بل رؤية تُترجم الإحساس، وتُجسّد الحلم، وتُلهم المرأة لتعبّر عن قوّتها وفرادتها، ومع كل مجموعة جديدة، تواصل العلامة كتابة فصلٍ جديد من الإبداع، تاركةً بصمة خاصة في عالم الموضة المعاصرة.