أسباب وأنواع الخنوثة الجنسية وطرق علاجها

  • تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019
أسباب وأنواع الخنوثة الجنسية وطرق علاجها
مقالات ذات صلة
علامات الولادة الطبيعية
نصائح للمرأة الحامل أثناء السفر
دليلك لتربية أطفالك أثناء سفر الأب

طوال التاريخ البشري اعتاد الإنسان على التعرف إلى أشخاص آخرين والتعامل معهم بأسلوب متوافق مع جنس هؤلاء الأشخاص، حتى أن اللغات البشرية بمعظمها مهيأة للتعامل مع الشخص المفرد باعتباره ذكراً أو أنثى دون وضع اعتبار لمنطقة رمادية بينهما.

<

p>وهذا ما ترك بعض الأفراد خارج هذا التوزيع، إذ أنهم لا ينتمون بشكل كامل إلى هذا الجنس أو ذاك.

ما هي الخنوثة أو الجنس الثالث؟

يعبر مصطلح الخنوثة الجنسية (Intersex) عن الحالات التي يولد فيها الشخص حاملاً صفات جنسية (هذه الصفات تشمل الأعضاء التناسلية الظاهرة، الغدد الجنسية إضافة إلى الأنماط الوراثية) لا تنتمي إلى التصنيف الثنائي التقليدي للبشر (ذكر أو أنثى).

تعتبر الخنوثة الجنسية مصطلحاً عاماً (Umbrella Term)، فهي تشمل في هذا التعريف مجموعة من الحالات الوراثية والشكلية المختلفة، قد تكون هذه الحالات واضحة منذ الولادة وقد تأخذ سنوات حتى يتم اكتشافها صدفة في سن البلوغ التناسلي.

حتى أن بعض الحالات الوراثية التي تسبب الخنوثة الجنسية لا يتم تشخيصها لأنها لا تحمل أي مظاهر جسدية.

لمحة عن المكونات الوراثية للجنسين

يتكون الحمض النووي البشري (Human DNA) من 46 شريطاً دقيقاً تعرف باسم الصبغيات (Chromosome)، توجد هذه الصبغيات جميعاً داخل نواة كل خلية حية، ويجتمع كل اثنين منها سوية لتبدو المادة الوراثية البشرية على شكل 23 زوجاً من الصبغيات.

22 من أصل هذه الأزواج الـ 23 تدعى بالصبغيات الجسدية، وهي مشتركة لدى الرجال والنساء وتحمل المعلومات الوراثية التي تجعل البشر متميزين عن الأنواع الأخرى.

أما الزوج الأخير فهو يتكون من صبغيين جنسيين يكونان متماثلين عند الأنثى ويدعيان XX، أما عند الذكر فيكون واحد منهما مختلفاً عن الآخر، وبهذا يكون الصبغيان الجنسيان له XY.

نتيجة ذلك، يكون النمط الوراثي للجنسين كما يلي:

  1. الذكر: 46XY، أي أنه يحمل عدداً طبيعياً من الصبغيات في خلايا جسمه، وصبغياته الجنسية الطبيعية.
  2. الأنثى: XX46، أي أن عدد الصبغيات ضمن خلاياها طبيعي، والنمط الأنثوي هو XX كما ذكرنا.

في بعض الاضطرابات الوراثية يكون النمط الوراثي مختلفاً من ناحية الصبغيات الجنسية ولا يتبع أياً من النمطين التقليديين، هذه التشوهات هي أهم أسباب الخنوثة.

ما مدى شيوع حالات الخنوثة؟

في الحقيقة، لا يمكن الإجابة عن سؤال كهذا بسهولة، لأن الإجابة تحتاج في البداية إلى تحديد الحالات الطبية التي يمكن أن ندرجها في إطار الخنوثة، إضافة إلى هامش الخطأ الإحصائي الذي تسببه حالات التشخيص الخاطئ للخنوثة.

عدا عن الحالات التي تمر بدون تشخيص، ويقدر بعض الأخصائيين أن طفلاً واحداً من كل 1500 مولود جديد يولد بأعضاء جنسية لا يمكن تصنيفها على أنها ذكرية أو أنثوية.

بعض الأمثلة على الحالات الطبية المصنفة تحت مظلة الخنوثة

  • فرط تنسج الكظر الولادي (Congenital Adrenal Hyperplasia): في هذه الحالة يكون المولود أنثى من الناحية الوراثية، لكن الغدتين الكظريتين اللتين تقعان فوق الكلية تكونان متضخمتين، وتفرزان كميات إضافية من الهرمونات التي تحدث ضخامة في الأعضاء التناسلية الظاهرة، ومظهراً أقرب إلى المظهر الذكوري.
  • عوز إنزيم 5 ألفا ريدكتاز (5 Alpha Reductase Deficiency): يلعب هذا الإنزيم دوراً محورياً في عملية تطور الأعضاء الجنسية الذكرية، وفي حال نقصه أو غيابه يحدث ما يدعى (غياب التذكير) أو (التذكير الناقص) للأعضاء التناسلية.
  • متلازمة غياب الحساسية للأندروجين (Androgen Insensitivity Syndrome): يمكن أن تكون الحساسية للأندروجين ناقصة أو غائبة تماماً، وفي حالة الغياب التام للحساسية يكون المولود ذكراً من الناحية الوراثية، ولكن هناك اضطراباً في خلاياه يجعلها لا تتأثر بهرمون التستوستيرون الذكري والهرمونات الأخرى المشابهة، وفي الحالات التامة من هذه المتلازمة يكون المظهر الخارجي أنثوياً تماماً، حتى أنها تكون بدون أعراض حتى سن البلوغ حين تبقى الطفلة دون دورة شهرية، وبعد الفحص بالأمواج فوق الصوتية يتبين غياب المبيضين والرحم، ووجود خصيتين غير هابطتين ضمن جوف البطن.
  • عدم تشكل القضيب (Penile Agenesis): في هذه الحالة يولد الطفل الذكر دون عضوٍ ذكري.
  • متلازمة كلاينفلتر (Klinefelter Syndrome): هي من حالات الخنوثة الصبغية، هنا يكون المظهر الخارجي أقرب للذكورة، لكن المريض يحمل ضمن خلاياه صبغياً إضافياً من النوع X (المؤنث)، فيكون النمط الوراثي للمريض 47XXY، ويكون المريض في هذه المتلازمة ذكراً طويلاً عريض الوركين، ويكون شعر الوجه والجسم قليلاً، والأعضاء التناسلية تكون صغيرة وغير مكتملة التكون.
  • متلازمة تورنر (Turner Syndrome): على العكس من متلازمة كلاينفلتر، يكون الاضطراب هنا ناجماً عن وجود صبغي X وحيد وعدم وجود صبغي Y، وتحمل كل خلية من جسم المريضة 45 صبغياً بدل 46 في الحالة الطبيعية، تكون المريضة أنثى ظاهرياً، قصيرة القامة وغائبة الصفات الجنسية الثانوية (الثديان بمظهر طفولي والوركان غير عريضين)، كما أن الأعضاء التناسلية تكون غير مكتملة التطور.
  • عدم تشكل المهبل (Vaginal Agenesis): هنا تكون المولودة الأنثى وراثياً بدون مهبل.

ماذا يحدث في حال عدم القدرة على تحديد جنس المولود ظاهرياً؟

عندما يولد الطفل بأعضاء تناسلية مبهمة على الأطباء أن يقوموا بإجراء تحاليل واختبارات شعاعية ووراثية لتحديد الحالة التي كانت سبباً في إحداث الخنوثة.

وهذه العملية مهمة لأن بعض الاضطرابات المسببة للخنوثة مثل فرط تنسج الغدتين الكظريتين قد تترافق مع اضطرابات أخرى مهددة للحياة وتحتاج تدخلاً إسعافياً أو حتى عمليات جراحية.

تسبب حالات عدم القدرة على تحديد جنس المولود ارتباكاً وقلقاً كبيرين بالنسبة للأهل، لأن الجميع معتادون على توقع جنس المولود على أنه واحد من خيارين لا ثالث لهما.

لهذا يصر الأهل على تحديد سبب المشكلة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيحها إذا كان هذا ممكناً.

كيف يحدد الأطباء والأهل جنس المولود فيما بعد؟

تدخل عوامل كثيرة في هذا القرار، وتعتبر الأهداف الرئيسية هنا الحفاظ على الخصوبة الجنسية إذا كان هذا الخيار متاحاً، التأكد من عمل الجهاز الهضمي والمثانة بشكل سليم في حال التشوهات المتعددة.

والتأكد قدر الإمكان من أن الطفل سوف يكون راضياً عن الهوية الجنسية التي ستلحق به.

لاحظ الأطباء أن الحالات التي تنتمي إلى مجموعة الخنوثة تكون في غالبها أقرب إلى أحد الجنسين، مثل مريض كلاينفلتر الذي هو أقرب للذكورة من الأنوثة، ومريضة تورنر أقرب شكلياً للجنس المؤنث.

لذلك تعمد الإجراءات الطبية المستخدمة لتحديد الجنس (Sex Assignment) إلى جمع أكبر كمية من المعلومات الممكنة عن الحالة، ثم التشاور مع أهل الطفل من أجل تحديد الجنس الذي يناسبه ويكون مرضياً له خلال حياته.

ماذا يحدث في حال اكتشاف الخنوثة لاحقا خلال الحياة؟

بالنسبة للحالات التي لا تكتشف عند الولادة، فهي غالباً ما تظهر خلال سنوات المراهقة المبكرة التي تعتبر سن البلوغ لدى الذكور والإناث، في حال تأخر أو غياب علامات البلوغ الجنسي لدى الطفل يجب فحصه من قبل الطبيب لأن هذا قد يكون العرض الأول للخنوثة.

مثلاً في حال متلازمة عدم الحساسية على الأندروجين يبدأ الأهل بالقلق لأن ابنتهم لم تحدث لديها دورة شهرية، في بعض الحالات يكون العلاج الدوائي الهرموني ضرورياً لدعم عملية تطور الأعضاء التناسلية بشكل طبيعي قدر الإمكان.

وفي حالات أخرى يجب أخذ الخيار الجراحي بعين الاعتبار، لكن هذا الأمر يحدده الطبيب بالطبع.

يغلب على حالات الخنوثة التي لا تظهر حتى فترة المراهقة كونها مترافقة مع عقم أو نقص في الخصوبة، كما أن اكتشافها في هذه الفترة الحساسة من التطور الجسدي والنفسي للمراهق يحمل آثاراً نفسية لا يستهان بها، من شعور بالنقص أمام الأقران.

أو الغضب وعداء المجتمع، وبدون مساعدة ودعم من الأهل أو طبيب نفسي خبير يمكن أن يقع المراهق في فخ الاكتئاب.

ما تأثير الخنوثة وعلاجاتها على الهوية الجنسية للمريض؟

يبدو أن معظم الأشخاص الذين يخضعون إلى علاجات تصحيح الخنوثة واختيار جنس مناسب خلال الطفولة المبكرة يصلون إلى سن البلوغ وهم في حالة رضى عن الجنس الذي اختير لهم.

ويكون ميلهم الجنسي عادة تجاه الجنس الآخر بنسبة مشابهة لنسبة المغايرين جنسياً (Heterosexuals) من الذكور والإناث غير المخنثين.

في بعض الحالات يبالغ الأهل في تحليل تصرفات أبنائهم التي قد تكون غير منسجمة مع الجنس الذي تم اختياره لهم، وتساورهم الشكوك بأنهم اختاروا الجنس الخاطئ.

وفي معظم الحالات لا يكون هناك داعٍ للقلق إذا رأيت طفلاً ذكراً يرقص أو فتاة تحب لعب الكرة، فهذه الأمور طبيعية في فترة الطفولة طالما أن الطفل لا يرفض هويته الجنسية.

المصاعب والتحديات التي تواجه الجنس الثالث

بغض النظر عن كون الخنوثة مكتشفة خلال الطفولة المبكرة، أو لاحقاً خلال سنوات المراهقة لا شك أن عدم الشعور بالانتماء الكامل إلى أي من الجنسين يحمل في مستقبله الكثير من المصاعب والتحديات بالنسبة إلى الطفل من جهة، وإلى أهله من جهة أخرى.

تقع المسؤولية الأولى على عاتق أبوي الطفل اللذين يحتاجان إلى فهم المعلومات الطبية المتعلقة بحالة الطفل، وفهم كيفية التعامل معها والإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي سوف يطرحها الطفل عن نفسه وعن جسده بطبيعة الحال.

ينصح الأطباء الأهل بأن يخبروا الطفل عن حالته بالتدريج خلال سنوات الطفولة، وبشكل يتناسب مع معارفه ولا يجعله يشعر بالنقص أو الضعف، كما يجب تثقيف المحيطين به إلى حد ما.

والتعاون إن أمكن مع أهالي زملائه في المدرسة من أجل توفير بيئة تشعره بالدعم المعنوي وإبعاده نوعاً ما عن الإهانة التي تكون بشكل مباشر عن طريق السخرية والإساءة اللفظية، أو بشكل غير مباشر عبر أسئلة محرجة أو نظرات استغراب وخوف.

وفي النهاية.. لعل خير ما يمكننا القيام به حيال أفراد الجنس الثالث والمشاكل اليومية التي تواجههم هو التعلم أكثر عن حالاتهم، وعدم النظر إليهم أو معاملتهم باستغراب واشمئزاز، لأن أكثر ما يحتاجه الفرد في هذه الحالة هو المحيط المتفهم والإيجابي الذي يساعده على الاندماج والمشاركة كعنصر فعال في المجتمع.