اضطراب الهوية الجنسية وآثاره النفسية

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الثلاثاء، 06 ديسمبر 2022
اضطراب الهوية الجنسية وآثاره النفسية
مقالات ذات صلة
صور كيف حولت فتاة أمريكية نفسها إلى مغربية وهندية وجنسيات أخرى
رحلة شمس الكويتية مع إثارة الجدل: من دفن نفسها إلى مقاضاة والدتها
آثار الحكيم تدعي لرامز جلال بالشفاء وتصف نفسها بـ"المعقدة"

بعد موجة حركات المطالبة بالمساواة والحقوق المشروعة للمثليين التي اجتاحت العديد من دول العالم منذ القرن الماضي، انتقلت الأقليات الجنسية، خاصة مثليو الجنس (بالإنجليزية: Homosexuals) إلى العلن، وبدؤوا يأخذون حقوقهم تدريجياً من ناحية الاعتراف الرسمي والتقبل الاجتماعي لحالتهم، حتى إن المثلية الجنسية ألغيت كاضطراب نفسي من بعض المراجع النفسية، وأصبحت تصنف كميل جنسي طبيعي، وكان هذا عاملاً مساعداً على نشر الوعي العالمي بخصوص الأقليات الجنسية التي كانت مجهولة ومتخفية على مر التاريخ، ومن ضمن هذه الفئات مجموعة تُدعى المصابين باضطراب الهوية الجنسية، فما هو هذا الاضطراب وما أبرز علاماته؟ ذلك ما سنتحدث عنه في هذا المقال.

تعريف اضطراب الهوية الجنسية

تعتبر تسمية اضطراب الهوية الجنسية (بالإنجليزية: Gender Identity Disorder) اسماً قديماً لحالة نفسية باتت تعرف حالياً باسم عدم الرضا عن الجنس (بالإنجليزية: Gender Dysphoria). [1]

وبغض النظر عن الاسم، تعني هذه الحالة أن الشخص غير مرتاح، بسبب عدم الشعور بالتوافق بين الجنس البيولوجي (بالإنجليزية: Biological Sex)، الذي ولد به وبين هويته الجنسية (بالإنجليزية: Gender Identity) من الناحية النفسية. [1]

الجنس البيولوجي يحدد أثناء عملية الولادة، اعتماداً على مظهر الأعضاء التناسلية بشكل أساسي، أما الهوية الجنسية فهي الجنس الذي يشعر الشخص بالانتماء إليه والراحة لدى تصنيفه ضمنه، وهما متطابقان لدى أغلب الأشخاص. [1]

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجميع مع الأسف، إذ قد يكون الشخص رجلاً من الناحية الجسدية، لكنه يشعر بأنه أنثى، حتى إن بعض الأشخاص لا يشعرون بالانتماء إلى أي جنس محدد. [1]

قد يصعب تقبل هذه الفكرة لدى بعض الأشخاص، حتى إنهم قد يعتبرونها أمراً مضحكاً وغير منطقي، إلا أن عدم التطابق بين الجنس البيولوجي والهوية الجنسية يولد شعوراً بالقلق والانزعاج لدى المصاب به، مما يسبب عدم الرضا عن الجنس. [1]

اُعتبرت هذه الحالة مرضاً نفسياً حتى وقت قريب، أما اليوم فهي تعتبر حالة اضطراب مرضي قد يحتاج العلاج في بعض الحالات، إنما ليست مرضاً نفسياً. [1]

بعض المرضى يملكون رغبة جامحة ومستمرة بأن يعيشوا حياتهم كشخص من الجنس الآخر (الذي يشعرون بالانتماء إليه)، قد تدفعهم هذه الرغبة إلى ارتداء الملابس المخصصة للجنس الآخر، أو حتى استخدام العلاجات الهرمونية أو العمليات الجراحية، بهدف تغيير شكلهم الجسدي وجعله متوافقاً مع الهوية الجنسية خاصتهم. [1]

علامات اضطراب الهوية الجنسية

تظهر أولى علامات عدم الرضا عن الجنس في عمر مبكر خلال الطفولة، إذ قد يرفض الطفل ارتداء الملابس التقليدية المرتبطة بجنسه، مثلاً قد يفضل الصبي ارتداء فستان أو تفضل الفتاة ارتداء أحذية مخصصة للأطفال الذكور. [3]

كما قد يرفض الطفل المشاركة في الألعاب أو النشاطات المخصصة لأبناء جنسه، مثل: اللعب بالدمى الذي يعتبر مخصصاً للفتيات، أو اللعب بالكرة المخصص للأولاد. [3]

في معظم الحالات تكون هذه التصرفات جزءاً من عملية التطور النفسي والسلوكي الطبيعي للطفل، الذي يعتريه الفضول والرغبة في اختبار الحياة من وجهة نظر إخوته مثلاً. [3]

أما في حالة اضطراب الهوية الجنسية فتستمر هذه الاهتمامات غير التقليدية خلال مرحلة المراهقة وصولاً إلى سن البلوغ، لذلك يشعر البالغون المصابون بهذا الاضطراب أنهم محتجزون في جسم لا ينتمون إليه، ومن الصعب تصحيح هذه المشكلة. [3]

يشعر المصابون باضطراب الهوية الجنسية بالاستياء بسبب اضطرارهم للتصرف بشكل مخالف لهويتهم الجنسية في المناسبات الرسمية والاجتماعية، كما قد يحاولون التخلص من الصفات الجسدية التي تعبر عن الانتماء إلى جنس ما أو إخفائها، مثل: الثديين والشعر الطويل لدى الأنثى، وشعر الوجه والجسم لدى الذكر. [3]

مغالطات شائعة حول اضطراب الهوية الجنسية

بسبب المعلومات القليلة المتوافرة باللغة العربية عن الميول والانتماءات الجنسية المختلفة؛ تنتشر الكثير من الأفكار الخاطئة أو حالات الالتباس واختلاط المصطلحات. [1]

ويقتصر الفهم الجيد لحالات كهذه على المختصين في الطب النفسي، أو من يملكون فضولاً كافياً للبحث في المصادر المكتوبة بحيادية إلى حد ما، لذلك سنحاول توضيح بعض المفاهيم عن المصابين باضطراب الهوية الجنسية: [1]

اضطراب الهوية الجنسية والمثلية ليسا أمراً واحداً

يتخيل الكثيرون أن المثلي هو الشاب الذي يتصرف كفتاة مثلاً، إلا أن هذا الأمر ليس دقيقاً، لأن المثلية الجنسية (بالإنجليزية: Homosexuality) هي ميل جنسي (بالإنجليزية: Sexual Orientation) وليست هوية جنسية.

فالشخص المثلي هو الشخص الذي ينجذب جنسياً للأشخاص الآخرين من الجنس نفسه، بغض النظر عن كونه متصالحاً مع الجنس البيولوجي الذي ولد به أم لا.

اضطراب الهوية الجنسية أمر مختلف تماماً عن الخنوثة

الخنوثة (بالإنجليزية: Intersex) هي مجموعة من الحالات الطبية التي تشترك في كون الجنس البيولوجي للشخص غير منتمٍ إلى فئة الذكور أو الإناث، مثل ولادة طفل دون قضيب أو طفلة دون مهبل، أو حتى الأطفال الذين يولدون بأعضاء جنسية ذكرية وأنثوية معاً.

أما اضطراب الهوية الجنسية فهو حالة نفسية قد يكون فيها جنسه البيولوجي منتمياً بالكامل إلى فئة الذكور مثلاً، وهو بالرغم من ذلك يشعر أنه أنثى.

ما مدى شيوع اضطراب الهوية الجنسية

من الصعب تقدير شيوع أمر كعدم الرضا عن الجنس؛ لأن عدداً قليلاً من المرضى يلجأ إلى الطبيب طلباً للعلاج بسبب الإحراج الكبير الذي يعانيه المريض من حالة كهذه، إضافة إلى كونها قد تقضي على حياته الاجتماعية، وتعرضه لخطر الموت في العديد من الدول التي تحكم بالموت على الأشخاص المختلفين جنسياً، أو تتغاضى عن جرائم القتل المرتكبة في حقهم. [2]

في دراسة أجرتها لجنة المساواة وحقوق الإنسان (بالإنجليزية: Equality and Human Rights Commission) على 10 آلاف شخص عام 2012، ونشرها موقع خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة (NHS)، وجدت أن 1% من الأشخاص المستجوبين يعتبر غير تقليدي إلى حد ما من ناحية الهوية الجنسية. [2]

وتبدو أعداد المصابين باضطراب الهوية الجنسية قليلة نوعاً ما، ويبدو أن عدد الحالات المسجلة في البلدان الغربية يزداد بشكل تدريجي؛ بسبب ازدياد الوعي ضمن فئات المجتمع حول هذه الاضطرابات. [2]

كما أن تقبل المجتمع لهم بدأ يزداد شيئاً فشيئاً، إلا أن العديد من الحالات لا تزال غير مكتشفة، إما بسبب الضغط والإحراج الاجتماعيين، أو بسبب كون الشخص يعيش في حالة إنكار لهويته الجنسية الحقيقية. [2]

علاج اضطراب الهوية الجنسية

يهدف العلاج على اختلاف أنواعه إلى التعامل مع القلق وعدم الارتياح الذي يرافق هذا الاضطراب، لذلك يعتمد العلاج على الحوار مع الطبيب النفسي حول الاضطرابات النفسية المرافقة لاضطراب الهوية الجنسية أو المسببة له. [2]

بعض المصابين يختارون أن يقدموا على خطوات فعلية، من أجل تحويل مظهرهم الجسدي، لكي يتوافق مع هويتهم الجنسية، قد يعني ذلك ارتداء ملابس مخصصة للجنس الآخر أو تغيير الاسم من اسم مذكر إلى آخر مؤنث أو العكس. [2]

كما أن هناك بعض العلاجات الدوائية والجراحية التي قد تكون مفيدة في هذه الحالات من بينها ما يأتي: [2]

كابحات البلوغ (Puberty Blockers)

نعلم أن فترة البلوغ تحدث في سنوات المراهقة المبكرة، ويتم في هذه الفترة تحول الفتى أو الفتاة إلى مظهر ناضج يحمل صفات جسدية جنسية، مثل: ظهور الشعر على الوجه لدى الذكر، وبدء نمو الثديين وازدياد عرض الوركين لدى الأنثى.

وتتم هذه العملية بتأثير الهرمونات التي يزداد إفرازها بشكل متسارع، فإذا تم تشخيص اضطراب الهوية الجنسية في عمر مبكر، يمكن وصف أدوية هرمونية تلعب دوراً معاكساً لتلك المسببة لظهور الصفات الجسدية الذكرية أو الأنثوية.

وهذا ما يمنح المراهق متسعاً من الوقت لكي يصل إلى سن البلوغ، ويتخذ القرار المناسب حول هويته الجنسية، يجب أن يخضع منح هذه الأدوية إلى إشراف طبيب أطفال، كما يجب إجراء استشارة نفسية للطفل، وتوضيح إيجابيات العلاج وسلبياته بشكل مفصل.

العلاج الهرموني

يمكن أن يوصف العلاج الهرموني للمراهقين والبالغين على حد سواء، ويهدف إلى تطوير صفات جسدية موافقة للجنس، الذي يميل إليه الشخص المصاب بالمشكلة.

العمليات الجراحية

هذه العمليات بالتصحيح الجنسي أو إعادة تعيين الجنس (بالإنجليزية: Sex Reassignment Surgery)، وهي طيف واسع من العمليات الجراحية التي تهدف إما إلى تغيير بعض الصفات الجسدية، مثل: الثديين أو زرع الشعر في الوجه، أو عملية تبديل الجنس بشكل كامل، ويتم فيها تحويل الأعضاء الجنسية، بالإضافة إلى الصفات الجسدية والعلاج الهرموني فيما بعد.

يختار كل شخص الإجراء العلاجي الذي يناسبه بناء على اختيار الطبيب والنصائح التي يقدمها، كما يجب أن يستمر العلاج النفسي طوال الوقت لأن المصاب يقع تحت ضغط نفسي كبير بسبب صعوبة تقبل التغير الحاصل من قبل الأصدقاء والأقارب والأشخاص المحيطين بالمريض.

ماذا عن الحالات غير المعالجة

تكمن أهمية التشخيص المبكر وعلاج اضطراب الهوية الجنسية في كون هذه الإجراءات تقي من إصابة الشخص بأمراض نفسية لا حصر لها على المدى البعيد، إذ يبدو أن الأشخاص المصابين باضطراب عدم الرضى عن الجنس معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بعدة أمراض عقلية ونفسية.

فهناك ما يقرب من 71% من الأشخاص الذين شُخِّص لديهم عدم الرضا عن الجنس، تم تشخيص اضطرابات نفسية أخرى لديهم خلال حياتهم، مثل: اضطرابات المزاج على اختلاف أنواعها، واضطرابات القلق، وانفصام الشخصية، ومرض الاكتئاب، وإدمان المخدرات والكحول، واضطرابات التغذية، ومحاولات الانتحار.

وفي الختام، نعلم أن الطريق نحو مجتمع متقبل لجميع الفئات والأقليات العرقية والدينية والجنسية أمر بعيد وصعب المنال في المستقبل القريب، إلا أن الخطوة الأولى تتمثل في الاطلاع على ما يميز هذه الفئات المختلفة قبل التسرع ونعتهم بأنهم شواذ وغير طبيعيين، فبالرغم من عدم وجود تعريف موحد حول العالم لما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، يتفق معظمنا على وجوب احترام الأشخاص المختلفين عنا وعدم إيذائهم طالما لم يبادروا بالعداء والإساءة.