وفاة أول رائد فضاء أفغاني: عبدالأحد مومند صاحب رحلة استثنائية من كابول إلى الفضاء

وفاة أول أفغاني وصل إلى الفضاء بعد مسيرة جمعت المجد العلمي والمنفى والرمزية الوطنية

  • تاريخ النشر: منذ يوم زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
وفاة أول رائد فضاء أفغاني: عبدالأحد مومند صاحب رحلة استثنائية من كابول إلى الفضاء

فقدت أفغانستان أحد أبرز رموزها الوطنية والعلمية برحيل عبدالأحد مومند، أول رائد فضاء أفغاني والوحيد حتى اليوم الذي تمكن من الوصول إلى الفضاء، بعدما توفي عن عمر ناهز 67 عاماً في مدينة شتوتغارت الألمانية إثر صراع مع مرض السرطان.

وأعلنت عائلة مومند نبأ الوفاة عبر بيان نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنه فارق الحياة في 21 يونيو 2026 داخل أحد مستشفيات شتوتغارت، المدينة التي عاش فيها لأكثر من ثلاثة عقود بعد مغادرته أفغانستان. وأشادت الأسرة بدوره التاريخي، مؤكدة أنه لم يكن مجرد أب وزوج، بل شخصية تركت بصمة خالدة في تاريخ البلاد الحديث بعدما أصبح أول أفغاني يشارك في رحلة فضائية.

من قرية صغيرة إلى برنامج الفضاء السوفيتي

وُلد عبدالأحد مومند عام 1959 في منطقة سرده باند بولاية غزني الأفغانية، ونشأ في فترة كانت تشهد فيها البلاد تحولات سياسية وعسكرية كبيرة. درس في المؤسسات التعليمية العسكرية والهندسية داخل أفغانستان قبل أن يُبتعث إلى الاتحاد السوفيتي لاستكمال تدريبه في مجال الطيران العسكري.

وخلال سنوات تدريبه، التحق بمدرسة كراسنودار العليا للطيران العسكري ومدرسة كييف لهندسة القوات الجوية، قبل أن يعود إلى بلاده ويشغل مناصب مهمة داخل سلاح الجو الأفغاني، أبرزها كبير الملاحين في قاعدة باغرام الجوية. وبعدها عاد مجدداً إلى الاتحاد السوفيتي للدراسة في أكاديمية غاغارين العسكرية الشهيرة، وهي الخطوة التي مهدت الطريق أمام دخوله عالم الفضاء.

مهمة تاريخية جعلته أول أفغاني في الفضاء

في عام 1988 وقع الاختيار على مومند ضمن برنامج إنتر كوسموس السوفيتي، الذي كان يهدف إلى إشراك رواد فضاء من دول حليفة للاتحاد السوفيتي في رحلات فضائية مشتركة.

أول رائد فضاء أفغاني

وتشير المصادر إلى أنه تم اختياره مع الطيار الأفغاني محمد دوران من بين أكثر من 400 مرشح، إلا أن ظروفاً صحية ألمّت بزميله جعلت مومند يحصل على المقعد الأساسي في المهمة التاريخية.

وفي 29 أغسطس 1988 انطلق على متن المركبة الفضائية سويوز TM-6 برفقة رائدي الفضاء السوفيتيين فلاديمير لياخوف وفليري بولياكوف نحو محطة الفضاء مير، في رحلة شكلت حدثاً تاريخياً ليس لأفغانستان فقط، بل لمنطقة آسيا الوسطى بأكملها.

تسعة أيام صنعت التاريخ

أمضى مومند نحو تسعة أيام في الفضاء، شارك خلالها في تجارب طبية وبيولوجية وعلمية، كما التقط صوراً لأفغانستان من المدار، وشارك في مراقبة الأرض من محطة مير.

لكن ما جعل مهمته أكثر تميزاً هو الجانب الرمزي والإنساني فيها. فقد أصبح أول أفغاني يصل إلى الفضاء، ورابع مسلم يدور حول الأرض، كما سجل اسمه في التاريخ الإسلامي والفضائي عندما حمل نسخة من القرآن الكريم إلى الفضاء وقرأ منه خلال الرحلة.

ومن أبرز اللحظات التي بقيت مرتبطة باسمه المكالمة التي أجراها مع والدته من المدار، حيث تحدث معها باللغة البشتونية، لتصبح البشتو واحدة من أوائل اللغات التي سُمعت من الفضاء، وهو إنجاز ما زال يحظى بمكانة خاصة لدى الأفغان حتى اليوم.

مهمة كادت تنتهي بكارثة

لم تكن العودة إلى الأرض سهلة كما كان مخططاً لها. فبعد انتهاء المهمة واجه الطاقم مشكلة تقنية في أجهزة الاستشعار الخاصة بمركبة سويوز أثناء الاستعداد للهبوط.

ووفقاً لروايات وثقتها مؤسسات فضائية ومراجع تاريخية، عاش مومند ورفيقه فلاديمير لياخوف ساعات عصيبة بعدما فشلت محاولة الهبوط الأولى، واضطرا للبقاء يوماً إضافياً في ظروف صعبة داخل المركبة قبل نجاح عملية العودة في النهاية وهبوطهما سالمين على الأرض في سبتمبر 1988.

من بطل فضاء إلى لاجئ في ألمانيا

بعد عودته إلى أفغانستان، تولى مومند منصب نائب وزير الطيران المدني، إلا أن التحولات السياسية والحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في التسعينيات غيرت مسار حياته بالكامل.

وخلال وجوده في الخارج، اضطر إلى عدم العودة إلى وطنه، لينتقل مع أسرته إلى ألمانيا حيث حصل لاحقاً على حق اللجوء ثم الجنسية الألمانية عام 2003.

وفي شتوتغارت بدأ حياة جديدة بعيدة تماماً عن عالم الفضاء، وعمل في مجالات مدنية مختلفة، من بينها المحاسبة والخدمات الإدارية، بينما ظل اسمه مرتبطاً بإنجازه التاريخي الذي لم يتكرر في أفغانستان حتى اليوم.

تكريمات خلدت اسمه

نال عبدالأحد مومند خلال مسيرته عدداً من أرفع الأوسمة، أبرزها لقب بطل الاتحاد السوفيتي ووسام لينين، وهما من أعلى الأوسمة التي كانت تُمنح في الاتحاد السوفيتي آنذاك.

عبد الأحد مومند

كما كرّمته روسيا عام 2010 بمنحه ميدالية الاستحقاق في استكشاف الفضاء تقديراً لدوره في برنامج الفضاء الدولي وإسهاماته في تعزيز التعاون العلمي بين الدول.

إرث يتجاوز حدود أفغانستان

رغم أن رحلته الفضائية كانت الوحيدة، فإن عبدالأحد مومند أصبح رمزاً وطنياً في أفغانستان وشخصية ملهمة للأجيال الجديدة. وقد وصفه الرئيس الأفغاني الأسبق محمد أشرف غني بعد وفاته بأنه الرجل الذي منح الأفغان لحظة فخر وأمل وسط سنوات الحرب والصراعات التي عاشتها البلاد.

وبرحيله، تطوي أفغانستان صفحة أحد أكثر أبنائها تميزاً، الرجل الذي انطلق من قرية صغيرة في غزني ليصل إلى الفضاء، ويكتب اسمه في سجل رواد الفضاء العالميين كأول أفغاني وأحد أبرز الشخصيات التي جسدت قدرة الإنسان على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية لتحقيق أحلام استثنائية.

ليالينا الآن على واتس آب! تابعونا لآخر الأخبار